الثلاثاء 9 يونيو 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
الأخبار العالمية

التدخل في شؤون الدول ··و استحقاقات وتحولات السياسة العالمية

9 مايو 2005
عرض ـ أمل المهيري :
حالة التناقض التي يعيشها المجتمع الدولي بفضل سيطرة القوى وبسط نفوذها وسيادتها في كافة الاتجاهات جعل العالم يعيش في أوضاع مؤلمة تبعث على عدم الارتياح والاطمئنان على مستقبل البشرية ، إذ باتت العلاقات الإنسانية تخضع لمبدأ النفوذ والكفة الراجحة في حين باتت ايضا مسألة التدخل الانساني والعسكري في العلاقات الدولية بغطاء قانوني من الامم المتحدة مقلقة للمجتمع الدولي نظراً لتعارضه احياناً في بعض جوانبه مع مفاهيم ثابتة في القانون الدولي والعلاقات الدولية مثل مفهوم السيادة وعدم التدخل في شؤون الدول المستقلة المنصوص عليها في القانون الدولي بحسب كتاب صادر عن مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية ·
ويبحث كتاب 'التداخل الإنساني في العلاقات الدولية' للمؤلف محمد يعقوب عبد الرحمن حول التدخل الإنساني على المساعدة الإنسانية والتداخل العسكري بشقية السلمي والعنيف، والذي يتم في الغالب تحت غطاء قانوني من الأمم المتحدة،ويشتمل الكتاب الذي سنعرضه على اربع حلقات على دراسة نظرية لظاهرة التداخل الإنساني والحالات التاريخية التي تمت في العلاقات الدولية،إضافة الى مسألة التدخل الإنساني في القانون الدولي ومدى مشروعية هذا التدخل· وتطورها بعد انتهاء الحرب الباردة والجوانب التي وصلت إليها·
ويعرض أيضا لثلاث حالات تطبيقية من التداخل الإنساني تمت في العراق والصومال وكوسوفا، تبين التوظيف السياسي لنظرية التداخل الإنساني في العلاقات الدولية المعاصرة ومدى قانونيتها والفائدة المرجوة منها·
ويركز الكتاب على التداخل الإنساني في العلاقات الدولية في أربع حلقات،باعتبار ظاهرة التداخل تمثل انعكاساً لعلاقات القوة في النظام الدولي·
ويوضح الكتاب بأن العلاقات الدولية تطورت خلال القرن العشرين تطورا سريعا نتيجة التقدم العلمي والتكنولوجي الذي أدى إلى زيادة الاتصال والترابط بين شعوب الأرض في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الأمر الذي دفع إلى تبلور فكرة الوحدة الإنسانية· وقد تميز النظام الدولي المعاصر بخاصية الاعتماد المتبادل التي أدخلت الدول في تفاعلات تعاون وظيفي لإشباع الحاجات المتنامية لشعوبها،وقد أكد عدم قدرة الدولة مهما بلغت امكاناتها من العيش بمفردها، لأن أهدافها المتمثلة بتحقيق النمو الاقتصادي الدائم والرفاه الاجتماعي المستمر ولدت قناعات بمحدودية قدرتها على إنجاز هذه الأهداف ما لم يتم الاعتماد على غيرها·
وإذا كان انهيار الاتحاد السوفييتي بمنزلة نقطة تحول رئيسية في تاريخ العلاقات الدولية، حيث أنهى مرحلة الحرب الباردة وأسقط نظام القطبية الثنائية الذي سيطر على العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فإنه لم يعلن ملامح المرحلة التي تليه في النظام الدولي حال كونه نظاماً أحادي القطبية تنفرد فيه الولايات المتحدة الأمريكية بمكانة القوة العظمى الوحيدة، أو كون التفاعلات الدولية فيه ذات تأثير يدفع تدريجيا إلى نظام متعدد الأقطاب تأخذ فيه اليابان والصين والاتحاد الأوروبي- وربما روسيا ومجموعة دول الاقتصادات النامية في شرق آسيا- مواقعها·· أو على الأقل في منطقة متقدمة فيه وبالقرب من مركزه، نظراً إلى أنها تملك درجات متفاوتة من اكتمال عناصر القوة القومية من دون أن تصل إلى مستوى مقومات القوى العظمى·
ويؤكد الكتاب أن الساحة الدولية تشهد منذ انهيار الاتحاد السوفييتي نظاما دوليا أحادي القطبية، تنفرد فيه الولايات المتحدة الأمريكية بالهيمنة من دون أي منازع من الدول الأخرى، حيث يرى جوزيف ناي أن القوى المرشحة للعب دور القطب المنافس للولايات المتحدة الأمريكية، لا تملك جميع مقومات القوة التي تمكنها من لعب هذا الدور، إذ إن روسيا تعاني مشكلة اقتصادية، وستأخذ إصلاحاتها الاقتصادية عقودا عدة لا سنوات حتى تتخلص من الضعف الاقتصادي·
النظام الدولي بعد الحرب
لم ينتج من نهاية الحرب الباردة انهيار منظومة الدول الاشتراكية فقط وإنما تمت مراجعة كل المنظومة الفكرية والقيمية للأيديولوجية الشيوعية بعد فشل التجربة السوفييتية، بحيث استطاعت منظومة الدول الرأسمالية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية الانفراد بالهيمنة على النظام الدولي الراهن، ومن ثم حاولت وضع آليات جديدة لتنظيم التفاعلات الدولية السياسية والاقتصادية·
وقد وظفت الولايات المتحدة الأمريكية تفوقها العسكري في ظل المتغيرات الدولية الجديدة بما يحقق مصالحها السياسية والاقتصادية ويضمن استمرار هيمنتها على النظام الدولي من خلال جعل الأيدولوجيا الليبرالية وقيم النظامين الديمقراطي والرأسمالي نموذجا مصاليا تطبقه دول العالم مقتدية في ذلك بخطى التجربة الأمريكية، وقد استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية لتحقيق ذلك كلا من الأمم المتحدة كأداة سياسية وعسكرية وصندوق النقد والبنك الدوليين كأداة اقتصادية، حيث تفترض الولايات المتحدة الأمريكية بأن تعميم الديمقراطية وحقوق الإنسان كقيم عالمية وفقا للنموذج الغربي، سيؤدي إلى حفظ السلام والأمن الدوليين، مادامت التعددية السياسية والانفتاح الاقتصادي يوفران طرقا عدة لتسوية النزاعات الدولية سلميا· فمثلا تؤدي الانتخابات إلى حسم الحروب الأهلية وتوفير الفرص الأفضل لحماية الأقليات، وهو ما يؤدي إلى تحسن الوضع الاقتصادي ونشر الحرية السياسية الكفيلة بالقضاء على الكراهية والتطرف والإرهاب، ومن ثم احترام القوانين الدولية·
الحد من دور الدولة القومي
وأشار الكتاب إلى النظام الدولي الراهن وما يتسم من تعددية قطبية في مجال الاقتصاد وأحادية قطبية في المجال العسكري، وفي الوقت الذي تتراجع فيه الأهمية النسبية للقوة العسكرية في مقومات القوة الشاملة، تتنامى أهمية القوة الاقتصادية والتقنية والحضارية فيها كأساس لتقدم الدولة، خاصة وأن زيادة ظواهر الاعتماد المتبادل وتكوين الكتل التجارية الكبرى قد دعما الاهتمام الوطني والدولي بالأوضاع الاقتصادية على حساب الأوضاع الأمنية مع زيادة التنافس وإطلاق حرية آليات السوق، وهو ما أعاد ترتيب عناصر قوة الدولة في النظام الدولي، ودعم صعود عدد من القوى الاقتصادية المنافسة التي تتمثل في اليابان وأوروبا والصين مقابل تراجع القوة الاقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية، بما يعني مطالبة هذه القوى الصاعدة بدور في صنع القرار الدولي، فيحتم ذلك على الولايات المتحدة الأمريكية التراجع عن اتخاذ القرارات بمفردها وتخليها عن مفهوم الهيمنة المطلقة·
تفتت القوميات المتعددة
من المعلوم أن العالم أصبح متارجحا بعد تفكك الاتحاد السوفييتي بين نزعتين، هما: النزعة الشمولية والنزعة التجزيئية، فالأولى تبحث عن نظام يعيد هيكلة العالم بحيث يتم تشكيل مجموعات اقتصادية كبرى نتيجة لدوافع اقتصادية تعمل على توحيد الطبقات الرأسمالية العليا في معظم بلدان العالم تحت قيادة واحدة، وتنهي وظيفة الدولة لمصلحة فاعل عالمي فوق الأمة، أو كتلة إقليمية تسير نحو الاندماج، أو كتل إقليمية ضخمة تسير تحت قيادة مؤسسة جديدة تتمثل في مؤتمرات الدول الصناعية السبع·
أما الثانية فتعمل على تفكيك الدول الأكثر هشاشة وتفتيتها، وهذه النزعة السياسية النفسانية تثير النزاعات الخطيرة في أنحاء متعددة من العالم، ولاسيما في الدول التي تعاني أزمات الدولة- الأمة، فيؤدي ذلك إلى الانكفاء والنكوص إلى ما تحت القومية والوطنية باتجاه الطائفية والعرقية والقبلية والجهوية·
كما أن الاندماج الاقتصادي الوضعية والتشرذم السياسي هما قطبا جدلية العولمة التي لا يقوم أحد طرفيها من دون الآخر، وهذه تمثل أخطر علامات النظام الدولي الجديد، فالعالم ينتظم في النظام الاقتصادي العالمي الواحد، لكنه يتعدد وينشطر على الصعيد السياسي، وهذا يخدم الدولة القوية لأن الدولة الضعيفة تعجز عن حماية نفسها·
كما تقوم الدعوات الانفصالية على أسس قومية أو عرقية، والدعوات نحو الوحدة والاندماج الاقتصادي على مقياس اقتصادي يعتمد على مدى الفقر أو الغنى النسبيين، حيث ثمة تناسب طردي بين الفقر والدفاع عن الوحدة الأوسع والأشمل، وبين الغنى والثروة ومحاولات الانفصال والاستقلال تحت مسميات قومية أو عرقية، وهذه الفرضية أثبتتها التجربة في الاتحاد السوفييتي، والاتحاد اليوغسلافي قبل تفككهما، وفي غيرهما من الدول، مع ملاحظة أن الاتجاه نحو التكتلات الاقتصادية الكبرى سيكون الاتجاه الحاسم في تشكيل كيانات المستقبل بفعل تشابك المصالح والاعتماد التبادل·
وعلى الرغم من ضعف الدولة الوطنية في أداء وظائفها فإنه لم يظهر البديل المناسب ليحل محلها بوصفه الوحدة الأساسية، مثلما هي حال الدولة في النظام الدولي، وعلى الرغم من انه قد طرأ ضعف على مفهوم السيادة التقليدي نظرا إلى الكثير من المتغيرات العالمية، فإن الدول مازالت تمثل الهدف الأسمى لفكرة الانتماء القومي، لأن الهوية والشرعية اللتين توفرهما الدولة غير موجودتين على صعيد ما فوق الدولة، وتحاول القوى القومية التي تهدد الدولة القائمة في استقرارها تحقيق طموحها بإقامة دولة أصغر تعبر سياسيا وقانونيا عن قوميتها، بل إن التراث الفكري الذي يعتقد بإمكانية تخطي الدولة القومية أيضا هو تراث غربي له أصوله في النظرية الوظيفية، لكن التجربة الأوروبية تدل على أن الدولة كتعبير عن الهوية القومية للمجتمع، مازالت تملك التأييد والحماية ولاسيما أن ما يدفع إلى تفتيت الدولة هو فشلها في أداء واجباتها الأمنية والتنموية وعدم بنا الشرعية للمؤسسات القائمة·
قيم حقوق الإنسان
ويعرض الكتاب بين دفتيه النموذج المنتصر في الحرب الباردة ترويج قيم الديمقراطية واقتصاد السوق كنموذج أمثل للعالم، وأن الدول الديمقراطية لا تدخل في حروب ضد بعضها بعضا، كما تؤدي الليبرالية الاقتصادية إلى الديمقراطية من خلال إيجاد نوع من اللامركزية وتقييد دور الدولة التدخلي والانفتاح على الخارج، والسماح بوجود جماعات ضغط مختلفة تمثل المصالح المتعددة، ونظام اقتصاد متطور يوفر مناخا مناسبا للديمقراطية·
وخلال المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان المنعقد في فيينا عام 1993 تمت أول مرة في تاريخ العلاقات الدولية عولمة الديمقراطية وحقوق الإنسان بالمعنى الغربي، فقد وافق المؤتمر على أن تعد الديمقراطية أساس شرعية نظام الحكم، وحتى السياسات غير الديمقراطية أصبح تسويغها يجري بوصفها خطوات مرحلية نحو الهدف الأعلى (الديمقراطية) ولاسيما أن نموذج اقتصاد السوق الجاذب عالمياً يدفع نحو تبني الديمقراطية مادامت توفر النظام السياسي الأفضل الذي يوفر ضمانات حقوق الإنسان، ويمتلك آليات التصحيح والمراجعة من خلال إتاحة الفرصة للشعب لتغيير حكامه بصفة دورية عن طريق الانتخابات الحرة النزيهة لأنها أفضل السبل لحل المشكلات·
وأشار إلى أن كثافة التفاعلات الدولية أدت إلى تدويل الكثير من المشكلات الداخلية، وهذا ما أوضحه جون كنيدي في استراتيجية السلام عام ،1961 بقوله: 'إن الحدود التي تفصل المشكلات العالمية عن قضايانا الداخلية غامضة، مثل الخط الذي نرسمه في الماء، فكل ما يحصل عندنا يؤثر مباشرة وبعمق على كل ما يجب علينا القيام به في الخارج، وكل ما يحدث في الخارج له تأثير مباشر وعميق على كل ما يجب علينا القيام به عندنا، لأننا جميعا في الواقع أفرادا كنا أم رجال دولة ننتمي من الآن وصاعدا وفي الوقت نفسه للجماعة الوطنية وللجماعة الدولية'· فالعلاقات المتنوعة التي زادت بصفة مستمرة بين الدول، جعلت انتهاك أي حق في أي جزء من العالم يشعر به العالم برمته وتتأثر به جميع الأجزاء الأخرى، وهو ما أدى إلى تغيير مواقف الناس ومفاهيمهم عن أفراد المجتمعات الأخرى الذين لم يتم الاتصال بهم، كما أوجد عادات تؤثر لاحقا في سياسات الدول تجاه بعضها بعضا وتقيد سلوك الدولة في أنشطتها الداخلية والخارجية·
وعلى الرغم من أن الأمم المتحدة وجدت من أجل حفظ السلم والأمن الدوليين اللذين وردا في مواضع عدة من نصوص الميثاق، فإن ميثاقها لم يتضمن في أي مادة من مواده توضيحا لمصادر التهديد والإخلال بالأمن أو تعريفا للعدوان، وهو ما سمح بإعطاء تفسيرات متباينة للسلام والأمن الدوليين، بحيث يؤدي التعريف الواسع للمواد المختلفة ذات الصلة في الميثاق إلى افتراض أن كل خرق للمبادئ أو القواعد المنصوص عليها في الميثاق أو العمل على عرقلة الأهداف التي تسعى المنظمة الدولية لتحقيقها في المادة الأولى يشكل تهديدا للسلم والأمن الدوليين· أما التفسير الضيق لهذه المواد فيقصر مصادر التهديد على كل ما من شأنه أن يعرض سيادة الدول الأعضاء وسلامتها الإقليمية للخطر، وقد قصد من هذا الغموض أن يكون مجلس الأمن الجهة الوحيدة التي لها سلطة تقديرية كاملة في تحديد طبيعة الممارسات الدولية ووصفها بأنها تنطوي على تهديد للسلم والأمن الدوليين· وكذلك في تحديد طبيعة الاجراء المناسب للرد على هذه الممارسات، ومعنى ذلك أن مفهوم الميثاق للأمن الدولي لا يمكن تحديده بدقة إلا بالرجوع إلى السوابق وبخاصة تلك المتعلقة بممارسة مجلس الأمن، وهنا لابد من الإشارة إلى أن تلك الممارسات قد اختلفت جذريا في فترة ما بعد الحرب الباردة مقارنة بممارساته أثناء الحرب الباردة·
أقوال الشخصيات
ويرى بطرس غالي أن الأمم المتحدة لم تتمكن من التصرف على نحو فعال لوضع حد للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وليس بوسعها أن تقف مكتوفة الأيدي في وجه ما تزخر به أنباء وسائل الإعلام من تصرفات وحشية، وسوف تعتمد مصداقية منظمتنا في الأجل الطويل على نجاح استجابتنا لهذا التحدي، وإنني أقترح تخويل الأمين العام صلاحية عرض انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة على مجلس الأمن مع التوصية باتخاذ إجراءات بصددها، بل إن منع هذه الانتهاكات قبل وقوعها هو أمر ذو أهمية سياسية عبر اتخاذ التدابير الوقائية·
إن الكوارث الطبيعية والحروب تسبب الدمار والمعاناة على نطاق واسع ولذلك يجب توفير المساعدة الإنسانية العاجلة، لكن جسامة الأزمات وتعقيداتها قد تؤدي إلى صعوبة مثل هذه الجهود الإنسانية، وفي حالات الطوارئ التي هي من صنع الإنسان لابد للمساعدة الإنسانية أن تقترن بتدابير لمعالجة الأسباب الجذرية عن طريق جهود بناء السلام·
ويقول كذلك: 'إن أنشطة الأمم المتحدة المتصلة بصيانة السلم والأمن الدوليين شهدت زيادة مذهلة منذ انتهاء الحرب الباردة، كما أن العديد من الأزمات والنزاعات تدور داخل الدول على شكل حروب دينية وعرقية تنطوي على قسوة وعنف غير مألوفين وهدفها الرئيس المدنيون، مما يؤدي إلى شيوع حالات الطوارئ الإنسانية التي لا تستطيع السلطات المتحاربة التصدي لها، فقد كان عدد اللاجئين المسجلين في مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين 13 مليونا في نهاية عام 1987 وأصبح في نهاية عام 1994 حوالى 26 مليونا، أما أعداد المشردين داخليا فإنه يزيد عن ذلك بكثير، ومن سمات هذه النزاعات انهيار مؤسسات الدولة مما يؤدي إلى شيوع الفوضى، ويتطلب ذلك منا أن يتجاوز التدخل الدولي المهام العسكرية والإنسانية ليشمل بناء الدولة وتنصيب حكومة ذات فعالية'·
كما أيد كوفي عنان، الأمين العام للأمم المتحدة تلك الدعوة في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عندما قال: 'يجب على المجتمع الدولي أن يظل على أهبة الاستعداد لأن يشارك سياسياً وعسكرياً- عند الاقتضاء- في احتواء الصراعات التي أفلت زمامها وفي إدارتها وحلها في نهاية المطاف، ويستلزم ذلك وجود نظام أمن جماعي يعمل على نحو أفضل مما هو عليه الأمر في الوقت الراهن، ويستدعي ذلك- قبل كل شيء- استعداداً أكبر للتدخل العسكري لمنع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ومن شأن الاستعداد الملموس لاتخاذ الإجراءات في مثل هذه الظروف أن يخدم بدوره في إنهاء الصراعات من خلال تعزيز الردع، فأشد الزعماء بطشاً يراقبون الأمور ليروا ما يمكنهم ارتكابه من دون التعرض لعواقب وخيمة، وليعرفوا إلى أي مدى يمكنهم تمزيق الضمير الإنساني قبل أن يتسببوا في ردود فعل خارجية غاضبة، وكلما نجح المجتمع الدولي في تغيير حساباتهم المدمرة، ازداد عدد الأرواح التي يمكن إنقاذها، ولا ريب أن الأمن الجماعي في إطار النظام الدولي هو مسؤولية مجلس الأمن، وستظل الاستجابة للأزمات ولحالات الطوارئ دائما محوراً أساسياً لأنشطته·
وأشار الكتاب إلى النتائج السلبية في تقرير كوفي عنان عندما يقول فيه: 'ولكن العقد الماضي كان- كذلك- فترة من التوتر والمصاعب أمام الأمم المتحدة في سعيها للاضطلاع بولايتها فيما يتعلق بالأمن الجماعي، وفي وقت سابق من هذا العام لم يتمكن مجلس الأمن من التدخل في أزمة كوسوفا لنشوء خلافات عميقة بين أعضائه حول ما إذا كان هذا التدخل أمراً مشروعاً، وكانت الاختلافات داخل المجلس انعكاسا لعدم وجود توافق آراء على مستوى المجتمع الدولي، فالمدافعون عن التفسيرات التقليدية للقانون الدولي أكدوا حرية سيادة الدول، في حين أكد آخرون أن التصرف بحزم في مواجهة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان يشكل ضرورة أخلاقية، ولسوف تظل هذه القضية الخلافية موضع جدل لسنوات قادمة، لكن الواضح أن إجراءات الإنقاذ التي تتخذ بغير إذن مجلس الأمن إنما تهدد جوهر نظام الأمن الجماعي القائم على أساس الميثاق لأنه وحده الذي يوفر أساساً قانونياً مقبولاً من الجميع لاستعمال القوة·· بيد أن الخلافات بشأن السيادة ليست العقبة الوحيدة التي تحول من دون اتخاذ المجلس إجراءات إزاء حالات الطوارئ الإنسانية المعقدة، ففي مواجهة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في رواندا وأماكن أخرى، كان التقاعس عن التدخل هو نتيجة لممانعة الدول الأعضاء عن سداد تكاليف التدخل البشرية، ونتيجة أيضا للشكوك في أن استعمال القوة سيحقق نجاحا'·
وفي هذا الصدد قال جورج بوش الأب في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 1991: 'لقد تعلم العالم أن السوق الحرة توفر مستلزمات الأزدهار والنمو والسعادة التي تعجز الاقتصاديات المخططة مركزيا عن توفيرها، وأن التقدم الاقتصادي سيلعب دوراً حيويا في العالم الجديد وسيوفر التربة التي تنمو فيها الديمقراطيات على نحو أفضل، فالشعوب في كل مكان تسعى إلى تشكيل حكومات من الشعب وبواسطة الشعب، كما أنها تريد التمتع بحقوقها غير القابلة للتصرف، ولقد فشلت التحديات التي واجهت الديمقراطية، فبازدهارها تزدهر الفرصة لتحقيق إنجاز تاريخي·· وهو ما يستدعي أن ندافع عن تأكيد الميثاق على حقوق الإنسان التي لا يجوز التصرف فيها، كما أن بعض الدول مازالت تنكر على شعبها حقوقه الأساسية، ونتيجة لذلك علينا أن نرص صفوفنا كي نقهر التحديات التي تواجه كرامة الإنسان، وينبغي على الأمم المتحدة أن تشجع القيم التي أقيمت عليها وأن تصر على أن تفي الدول التي تسعى إلى نيل قبولنا بمعايير الحياة الإنسانية الكريمة'·
ويشكل العالم الثالث الميدان الأول للتدخل الإنساني، خاصة أن أوضاع حقوق الإنسان في هذه الدول هشة، وتضم جميعها أقليات دينية أو قومية فيجعلها ذلك عرضة للتوتر المستمر ويسهل استغلالها للتدخل العسكري، لكن الدول الغربية وتحديدا الولايات المتحدة الأمريكية تستخدم هذه المسوغ بازدواجية وضد الدول المعادية لمصالحها بهدف خلخلة الاوضاع الداخلية فيها وهو ما يعني عودة الاستعمار بأشكال جديدة·وهكذا تستخدم الولايات المتحدة الأمريكية حقوق الإنسان كسلاح سياسي ودبلوماسي لشجب انتهاكات حقوق الإنسان في الدول المنبوذة، وتلك التي لا تعتبر ذات أهمية سياسية أو اقتصادية، وهذا المعيار المزدوج يضر بالجهود المبذولة لتعزيز حقوق الإنسان على المستوى الدولي، فقد قامت إدارة كلينتون بقطع الصلة بين شؤون التجارة وحقوق الإنسان عند تحديد الوضع التجاري للصين كدولة أولى بالرعاية وهو ما أوضح أنها لن تضغط من اجل حقوق الإنسان عندما تكون المصالح الاقتصادية على المحك·
كما عدت إندونيسيا عميلاً مهماً لشراء الأسلحة، أما تركيا فهي مجاورة للعراق ولمنطقة القوقاز المضطربة، كما أنها حصن ضد التيار الإسلامي، ولذلك لم يبق لاعتبارات حقوق الإنسان أي تأثير مادام ينظر إليها على انها موضع منافسة مع مصالح أخرى، حيث ستعطى الأفضلية لهذه المصالح، لكن قضية حقوق الإنسان تقوم على أن حقوقاً معينة تخص الإنسان في كل مكان، وإذا تم التخلي عن ذلك فستنهار القضية من أساسها·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©