الاتحاد - خاص:
في فيلمه 'ذهب وعاش·'، عمل المخرج الفرنسي 'ميهلانو' على كشف بعض الأسرار والخفايا التي أحاطت بعملية ترحيل يهود الحبشة (الفلاشا) إلى إسرائيل· عملية حفلت باتفاقات سرية بين إسرائيل والاتحاد السوفييتي·· وبينها وبين الولايات المتحدة ودول أوروبية·· وبتواطؤ بلد عربي واضح فادح·
نستعيد بعض وقائع الفيلم عن تلك العملية التي نقلت هؤلاء اليهود من بؤس مجاعات الحبشة إلى الاحتقار العنصري في إسرائيل·
لطالما كان يهود الحبشة ومايزالون يثيرون الكثير من الغموض والالتباس، ففيما يسميهم البعض 'فلاشا' يسميهم آخرون 'المهاجرون'، أو 'البدون أرض' أو كذلك 'جماعة بين إسرائيل'· وفيما يعتبرهم البعض متحدرين من نسل 'ميناليك'، يعتبرهم آخرون أحفاد ثمرة زواج الملك داوود من ملكة سبأ·· كما هناك مَن يعتبرهم ورثة قبيلة 'دان' إحدى قبائل إسرائيل التائهة الاثنتي عشرة، كما من غير المستبعد أن يكونوا في الأساس جماعة سكانية يمنية عبرت البحر الأحمر·
وعلى أي حال، من الثابت أن النفوذ اليهودي دخل إلى الحبشة من بوابات مصر والجزيرة العربية، وهم كانوا يشكّلون في القرون الوسطى مملكة خاصة بهم بدأت تتفكك منذ القرن الثامن عشر، وقد ظلوا مغمورين ولا يعرف العالم بوجودهم حتى العام 1769 عندما اكتشفهم الرحالة الايرلندي 'جيمس بروس'، إلى أن قام 'جاك فتلوفتش' بدراسة أوضاعهم عن كثب خلال العام ·1904
وحتى مطلع القرن العشرين كان الفلاشا يعتقدون أنهم اليهود الوحيدون في العالم· وفي الحبشة الآن حوالى العشرة آلاف من 'الفلاشمورا'، وهم من اليهود الذين جرت نصرنتهم بالقوة خلال القرن التاسع عشر·
'أرييل شارون' يولي أهمية خاصة ليهود الحبشة، وقد تعهد باستحضار 80,000 منهم إلى إسرائيل من هنا إلى العام ،2007 لاستخدامهم كدروع بشرية في واجهة الفلسطينيين والعرب والمسلمين·
الموساد
السينمائي الفرنسي من أصل رواني 'رادو ميهلانو'، استعاد وقائع العملية الإسرائيلية الأولى لاستقدام يهود الفلاشا إلى إسرائيل، المعروفة باسم 'عملية موسى'، في فيلم بعنوان 'ذهب وعاش وأصبح'··
تفاصيل تلك العملة السرية ماتزال محاطة إلى الآن بالكثير من الأسرار الغامضة، بل لعلها عملية النزوح الأكثر سرية في القرن العشرين· وخلال التحضيرات لسيناريو الفيلم، أجرى 'ميهلانو' محادثات مكثفة مع ضباط الاستخبارات الإسرائيلية 'الموساد'، كما مع عدد من عناصر الفلاشا المشاركين في تنظيم وتنفيذ تلك العملية·وبحسب أحد ضباط الموساد، فقد تم تمويل العملية من خلال مساهمات مالية من أطراف بلجيكية وإيطالية وبريطانية، إضافة إلى مساهمات خاصة من جانب محطة 'أوديسا' التليفزيونية·· لكن ظل هناك حاجة إلى 150 ألف دولار إضافية، كما يقول ضابط الموساد بأن محطات التلفزة الفرنسية لم تكترث بالمسألة بما في ذلك محطة شزء المعروفة بميولها الصهيونية·
وفي العام 1977 جرت أولى محاولات إخراج يهود الفلاشا من الحبشة، بعدما كان الحاخام الأكبر 'اوفاديا يوسف' قد اعترف بشرعية يهوديتهم في العام ·1973يومها أرسلت إسرائيل إلى العاصمة الحبشية أديس أبابا طائرتي نقل ضخمة من طراز 'هيركول'، وبمساعدة وتنسيق مع الاتحاد السوفييتي، عقدت إسرائيل اتفاقاً سرياً مع دكتاتور الحبشة الجنرال الشيوعي 'مانجستو' من أجل تنظيم وتسهيل العملية·غير أن رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك 'موشيه دايان'، وبضغط من المتدينين المتطرفين، أخلّ ببنود الاتفاق المعقود مع موسكو مما أثار غضب موسكو، وأدى إلى وقف العملية من أساسها·· وبذلك، لم يعد أمام يهود الحبشة من سبيل للعودة إلى 'أرض الميعاد' إلا عبر بلد إسلامي هو السودان·وهكذا بدأت 'عملية موسى' عملياً في العام ،1983 وراح يهود الفلاشا الحبشيون بالتجمع في مخيمات خاصة عند الحدود السودانية، وبإشراف عناصر من الموساد الإسرائيلي إضافة إلى عناصر من الاستخبارات الحبشية المتعاملين مع الموساد· لكن السلطات السودانية اعتقلت معظم هؤلاء العناصر، مما اضطر الفارين الفلاشا إلى اتباع أدلاّء حبشيين غير يهود، فضحوا أمر الفلاشا وخدعوهم، ومرة أخرى كادت العملية تلغى كلياً بعدما وجد فلاشا الحبشة أنفسهم معرضين لمخاطر متعددة من جراء تلك العملية الخطرة وغير المضمونة· والطريف هنا أن عملاء الموساد الإسرائيلي قاموا باستخدام أصباغ خاصة لوجوههم بحيث بدوا سود البشرة كالزنوج وإندسوا بين الفلاشا زاعمين أنهم أفراد منهم مما ساعدهم على تحريك الفلاشا حسب خططهم·وكما يقول مخرج الفيلم، وبالاستناد إلى وقائق سرية، فقد أقنع عناصر الموساد الإسرائيلي جموع فلاشا الحبشة بإخفاء يهوديتهم وبالتوقف مؤقتاً عن أداء طقوس وشعائر يوم السبت وذلك بهدف الحفاظ على حياتهم ولتسهيل عملية نقلهم السرية إلى أرض الميعاد!
وعلى أي حال، فكتاب التلمود ينص صراحة على حق اليهودي في إخفاء يهوديته إذا كان ذلك بهدف الحفاظ على حياته، غير أن يهود الفلاشا رفضوا ذلك الحق بشدة ولسبب بسيط هو أنهم وإن كانوا يعرفون التوراة فهم لا يعرفون بوجود كتاب التلمود·
من جهة أخرى، كانت المجاعة والأوبئة قد أودت بحياة 4000 من يهود الفلاشا في مناطقهم السكنية في الحبشة وبالتالي لم يجد الكثيرون منهم أي فارق بين الموت في بلدهم وبين الموت في المخيمات الحدودية، إنما مع الأمل بحياة أفضل في إسرائيل إذا نجحوا في الوصول إليها·
ثمن النميري
عام 1984 جرى في جنيف توقيع اتفاق ثلاثي بين السودان وإسرائيل والولايات المتحدة حول مسألة الفلاشا، وقد دفع الأميركيون إلى السودان مبلغ 250 مليون دولار كثمن لغض النظر عن الرحلات الجوية 'غير النظامية' وعدم إبلاغ 'الأشقاء العرب' بأمرها·
وفي اطار دوره في العملية، عمل الرئيس السوداني الأسبق 'جعفر النميري' على نقل رؤساء المخيمات إلى الحدود السودانية الحبشية· لكن من جهتها، كانت إسرائيل قد أرسلت إلى السودان طائرات هيركول زرعت قنبلتين في كل واحدة منها بهدف تفجيرها وإخفاء أثرها عند الضرورة، وقد حصل ذلك بدون معرفة 'النميري' بشأن تلك الطائرة الإسرائيلية·
وبدون معرفة 'النميري' أيضاً جرى فتح ناد خاص بإجازات السياح الألمان والبلجيكيين، في منطقة بور سودان، وكان ذلك النادي في الواقع ستارة مزيفة لإخفاء حقيقة الأنشطة الإسرائيلية فيه المتعلقة بمهام ترحيل يهود الفلاشا·
السياح كانوا سياحاً حقيقيين، لكن العاملين في ذلك النادي كانوا من عناصر الموساد والذين كانوا يقومون تحت جنح الليل بنقل مجموعات صغيرة من يهود الفلاشا إلى شرم الشيخ في سيناء، التي كانت تحت الاحتلال الإسرائيلي، على متن زوارق صغيرة·
ثم في 21 نوفمبر ،1984 قامت طائرات ركاب بوينغ 707 تابعة لشركة TEA البلجيكية، والتي يملكها اليهودي البلجيكي 'فوتمان'، بعدة رحلات بين السودان وبلجيكا وتل أبيب، تم خلالها ترحيل 7000 يهودي فلاشا خلال ستة أيام·
والمفارقات أن طائرات شركة ءش التي نقلت يهود الحبشة إلى إسرائيل هي نفسها الطائرات التي اعتاد الحجاج السودانيون على الانتقال بها إلى مكة، وهذا ما جعل رؤيتها مألوفة في السودان·
فرنسا أيضاً لعبت دوراً أساسياً في هذه العملية، وإن بعيداً عن الأضواء· ففي صيف العام 1984 قامت طائرات ركاب تابعة لشركة 'اير فرانس' بالهبوط في مطار الخرطوم للمساعدة في نقل 'لاجئين' من مخيمات تابعة لمنظمة 'أطباء العالم'، وطبعاً كان اللاجئون يهود الفلاشا والمخيمات نقاط تجميعهم·· وكان الفرنسيون يعطونهم تأشيرات سفر للمرور ترانزيت في مطارات باريس، في ظل غض النظر من 'جاك اتالي' والرئيس 'فرانسوا ميتران'·
فيديو
في تل أبيب، وفور وصول يهود الفلاشا إلى مطارها، كانت السلطات الإسرائيلية تصور كل واحد منهم على شريط فيديو· وكانت ترسل تلك الشرائط سراً إلى السلطات الأميركية في واشنطن لعرضها على كبار المتمولين من اليهود الأميركيين والكنديين لحملهم على المساعدة في تبرعات مالية سخية لتأمين معيشة 'الأشقاء السود القادمين'·· وبالفعل فقد أدت تلك الشرائط إلى تبرعات بحوالى 65 مليون دولار في غضون ثلاثة أسابيع·لكن في الثاني من يناير ،1985 توقفت تلك العملية السرية بعد افتضاح أمرها على أحد كبار القائمين على تنظيمها اليهودي 'يهودا دوفتنر' الذي كان يعمل مديراً لشعبة الهجرة في وكالة سفر يهودية· أما دوافعه فقد تراوحت بين كراهيته واحتقاره للفلاشا الزنوج، وبين ضغوط تعرض لها من أوساط أرثوذكسية!
'عملية موسى'
وبذلك، كانت نهاية 'عملية موسى' السرية·· وكانت نهاية الفيلم الوثائقي 'ذهب وعاش وأصبح'!
ماذا عن الفيلم الذي حاز مؤخراً على جائزة الجمهور في مهرجان برلين؟
المخرج الفرنسي من أصل روماني 'رادو ميهلانو' كان قد خصص فيلمه السابق 'قطار الحياة' حول اليهود أيضاً، من خلال معاناة يهودي عانى الأمرين في فراره من الألمان النازيين· أما مواد فيلمه الأخير 'ذهب وعاش' فقد استقاها أساساً من الصحف· لكنه حصل عام 1999 على معلومات واقعية ومثيرة من أحد يهود الفلاشا الذي التقاه وحاوره في إسرائيل· وقد تأثر 'ميهلانو' كثيراً بمعاناة هؤلاء الفلاشا الذين خرجوا من حبشة القرون الوسطى إلى 'جنة' أرض الميعاد والتي لم يلقوا فيها سوى الاحتقار والازدراء العنصري والظروف المعيشية الصعبة والمعقدة·
السلطات الإسرائيلية رفضت السماح للمخرج الفرنسي بالاطلاع على الملفات السرية لعملية ترحيل الفلاشا· والفلاشا أيضاً ارتابوا به خشية ان يكون هدفه التحقق من شرعية يهوديتهم·
من هنا كانت أهمية الفلاشي 'شلومو' الذي تعرّف إليه، والذي روى له قصة حياته من سن التاسعة إلى التاسعة والعشرين·لدى وصوله إلى إسرائيل تبنّته عائلة 'شلومو'، وعملت على رعايته بحيث أنهى تعليمه وانتسب إلى جامعة تل أبيب، والتي تعرف فيها على طالبة إسرائيلية تزوجها لاحقاً·
المخرج يركز كثيراً على هذه النقطة، من خلال 'شلومو'، كنموذج عن شتات يهودي يسعى إلى الاندماج في المجتمع الإسرائيلي وإلى إثبات جدارته بأن يكون مواطناً في دولة اليهود·
لكن هذا الاندماج ظاهري فقط، لأن 'شلومو' ليس يهودياً في الأساس بل أرثوذكسي حبشي أرستله أمه إلى مخيمات الفلاشا عند الحدود الحبشية / السودانية لإنقاذه من المجاعة التي كانت (وما تزال) تعصف بالبلاد·الشبه كبير إذن بين 'شلومو' المسيحي المحتمي باليهودية المزعومة وبين المخرج نفسه 'ميهلانو' الهارب من قسوة الحياة في بلده رومانيا إلى فرنسا!وبالتالي تأخذ قصة فيلمه أبعاداً أكثر من فلسفية: كيف يتحول 'شلومو' المسيحي إلى يهودي؟ كيف ينكر حقيقة نفسه فيما هو يحاول الحفاظ على نفسه؟الجواب صعب ومعقد، هذا إذا كان ثمة جواب أساساً··ولعل هذا كان أجمل ما في فيلم 'ميهلانو' رغم ما فيه من فجوات القفز في الزمن، وفي ضبابية المجهول··
أورينت برس