الثلاثاء 9 يونيو 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

العصا للرقص والاستئذان والتأديب ولها مآرب أخرى

العصا للرقص والاستئذان والتأديب ولها مآرب أخرى
14 يونيو 2005

تحقيق ـ خديجة الكثيري:
عرفت العصا منذ قديم الزمان، كرمز للشدة والحزم والحسم والتراث والعراقة، وحملها كبار الشخصيات والوجهاء، كرمز للهيبة والوجاهة والزينة، واستخدمها الآباء وأصحاب الأمر والولاة للضرب والتخويف، أما وجود العصا في حياة الإنسان، فله مآرب كثيرة، حيث يستخدمها الرجل والمرأة والكبير والصغير لاستخدامات متعددة ولحاجات مختلفة·
وتحتل العصا مكانة هامة في التاريخ العربي والإسلامي، ففيها وعنها كتبت الكتب، وحولها ضربت الأمثال، وهي إلى ذلك، تحتل مكانة هامة ورفيعة لدى الإماراتيين، فهي عنوان العزة والمنعة، ولها الاحترام والهيبة، واستخداماتها كثيرة تجل على الحصر، علاوة على كونها رفيقة الدرب، وأنيسة الليل في البوادي والقفار، لا يسير الرجل إلا وعصاه معه تدل عليه، وربما يعرف بها·
ويختلف أمر العصا إذا أصبحت هواية، فهنا تكون الهواية نادرة وجديدة ومميزة، وهو ما حدث لدى سعادة سعيد بن عبد الجليل الفهيم، النائب الثاني لغرفة تجارة وصناعة أبوظبي، ورئيس مجلس إدارة مجموعة شركات الفهيم، الذي كان محطتنا الأولى في هذا التحقيق معه، حيث علمنا أنه رجل يهوى تجميع العصي، بل ويعشق هذه الهواية المتميزة بأصالتها وعراقتها، وهو يمتلك أكثر من حوالي 200 نوع من أنواع 'العصا'، وله مع كل نوع فيهن ذكرى وموقف خاص، سألناه عن هوايته وعن معاني العصا بالنسبة إليه فقال:
'العصا تعني لي الكثير، ومجرد النظر إليها وحملها، تذكرني بوالدي 'رحمة الله عليه'، فقد كانت تلازمه طوال الوقت، وبشكل عام نعرف جميعا أن العصا تمثل الأصالة والرجولة والقوة، كما أنها بالنسبة لنا في الإمارات، تمثل التراث الذي نحاول دائما وبقدر الإمكان المحافظة عليه، تماشيا مع توجيهات المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان 'طيب الله ثراه'·
معاني أصيلة
ويضيف الفهيم: 'كل مطلع على التراث العربي والإسلامي أو ملم به يعرف بأن العصا متأصلة في التاريخ القديم، ويكفيها شرفا وقدرا أن الله (عز وجل) ذكرها في القرآن الكريم، وامتدحها نبي الله موسى (عليه السلام)، كما أنه لا تخلو بلد أو حضارة من وجود العصا، لما لها من فوائد ومعان كريمة وأصيلة، حيث كان يحملها الرجال والعظماء والحكام، لمظاهر واعتبارات كثيرة، هذا فضلا عن الحاجة إلى حملها في كثير من الأحيان، ناهيك عن الرمز والمعنى الذي تعبر عنه، من قوة وتأديب وحسم وغيره، وكما كانت للعصا مكانتها في الماضي، ما تزال تحظى بالاهتمام نفسه وتحمل المدلولات والمعاني ذاتها في التاريخ الحديث، لما تشكله من أصالة وعراقة'·
ويتابع الفهيم: 'يعد اقتناء العصا وحملها جزءا من التقاليد والعادات القديمة الخاصة في دولة الإمارات، فقد عايشتها منذ الصغر، لأن والدي 'رحمه الله' كان يملك منها الكثير، هذا فضلا عن أنه يحملها معه بشكل دائم في حياته اليومية· أما عن شعوري عند رؤيتي لها في الصغر فكان الإحساس بالقوة ومعنى الفخر والاعتزاز وليس الخوف كما يعتقد الأطفال، وشخصيا لم أحمل العصا إلا في السنين الأخيرة، التي لازمت في خلالها المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد 'طيب الله ثراه'، حيث كان رحمه الله، دائم التشجيع لنا بالمحافظة على العادات والتقاليد الأصيلة لبلادنا، لأن في ذلك تعبير حي عن هويتنا الأصيلة، وكان من ضمن ذلك حمل العصا، وكان الشيخ زايد 'رحمه الله' يحمل العصا بحيث لا تفارقه في كل حله وترحاله ومجالسه وزياراته، ومنه تعلمنا ولا زلنا نتعلم كل شيء، وعندما بدأت أفكر في العصا واقتنائها وحملها لأول مرة، وجدت أنها مبعث فخر واعتزاز وراحة نفسية لا توصف، ومنذ ذلك الحين وأنا اعتبر العصا جزءا مهما ضمن مجالات هواية تجميعي للأشياء والمقتنيات العريقة والنادرة'·
وحول بداية هوايته في 'جمع العصي' يشير إلى أنها 'بدأت بعد وفاة والدي المرحوم عبدالجليل الفهيم 'رحمه الله'، حيث كانت عصاه أول عصا احتفظت بها، وكانت ولا زالت وستظل، من بعض الأشياء البسيطة التي تذكرني دائما بسجاياه الحميدة وشخصيته المميزة، 'رحمه الله' تعالى'· وعن عدد العصي التي يمتلكها قال: 'إلى الآن جمعت حوالي 200 (مائتين) من العصي المختلفة من حيث المصدر والشكل والنوع، وهذا هو المهم بالنسبة لي'·
العصا الألمانية
ومن بين المقتنيات المميزة لدى الفهيم عصا ألمانية سألناه عن قصتها فقال: 'أغلب العصي أحصل عليها من أسواق التحف الكبيرة التي أزورها في أسفاري إلى البلدان المختلفة، حيث اشتريها بثمن ما تحمله من قيمة تاريخية، كما أنني ازور محال وأسواق شعبية عريقة أعرف مسبقا بوجود مثل هذه الأنواع الجيدة من العصي فيها، وهناك بعض العصي تأتيني هدايا من إخواني وأصدقائي الذين يعرفون عني حبي لجمع العصي ويقدرونها معي· وأمتلك أنواعاً كثيرة وهي مختلفة في شكلها وصنعها واستخدامها، وحتى مصدرها، أما بالنسبة للقيمة، فشخصيا أجد أن العصا تشكل لي قيمة معنوية قبل أن تكون قيمة مادية، وعلى أي حال فإن أغلى عصا عندي حاليا، كانت لضابط من الجيش الألماني يرجع عهده إلى أيام هتلر، وقد حصلت عليها بالصدفة، بينما كنت في أحد محال 'الأنتيك' في النمسا، وقد تردد في البداية في إخباري بأصلها وقصتها، إلا أنه عاد وطلب مني وعدا بأنه إذا أطلعني على أصل هذه العصا، فيجب ألا أطلع أحدا عليها، حيث إنها تحمل علامات الحزب النازي الألماني، وعليه وعدته بذلك، فطلب مني شرائها والقيام بإخراجها من البلد بأسرع وقت ممكن'·
شرف الإهداء
ولا يقتصر اهتمام الفهيم على جمع العصي فقط، بل يتلقى الكثير منها كهدايا من الإخوان والأصدقاء نظراً لما يعرفونه عن اهتمامه الكبير باقتناء الأنواع الجيدة والنادرة والقيمة منها، لكن عن إهدائه هو للعصا قال: تشرفت بتقديم عصا من العصي النادرة والمميزة، وهي نوع من الأنواع التي نسميها 'حنا'، حيث قدمتها كهدية متواضعة إلى المغفور له بإذن الله تعالى الوالد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان 'طيب الله ثراه'، وقد أبدى 'رحمه الله'، إعجابه الشديد بها، وقد فرحت كثيرا لإعجابه بها، هذا فضلا عن رؤيتي له يحملها في مناسبات كثيرة، مما زاد من سروري وأثلج صدري، فقد كان رحمه الله من أكثر المحبين والمشجعين لحمل الرجال للعصا'·
رمز تراثي
وفي إطار الحديث عن العصا، وكون العصا تمثل أحد الرموز التراثية، واقتنائها وحملها فيه الكثير من المحافظة على العادات والتقاليد والتراث الإماراتي، كانت محطتنا الثانية مع السيد مبارك سعيد البريكي، من قرية التراث، وراعي ومنظم لكثير من الفعاليات التراثية، ليحدثنا عن العصا وماذا تمثل في التراث الإماراتي، يقول البريكي: 'من المعروف أن شعب منطقة الخليج عامة، وشعب دولة الإمارات بشكل خاص عرفوا العصا منذ القدم، وباتت تشكل لهم موروثا عريقا، ورمزا تراثيا أصيلا، كما أن الرجال وحدهم يختصون بحمل العصا· وقد تعددت أشكال العصي التي يحملونها وأنواعها، فالكبار تكون عصيهم أكبر في الحجم، أما الشباب فتكون عصيهم نحيفه بعض الشيء، وتمسك العصا من فوق ويجب ألا تزيد عن الحزام (الخصر) في الطول بحيث يخطو الرجل خطوة وتخطو العصا مثلها عند المشي، وتمسك باليمين ويمسك الخطام باليسار عند ركوب الدابة، وتتحول من اليمين الى اليسار عند ملاقاة الناس والسلام عليهم'·
ويضيف البريكي: 'تحمل العصا في التراث الكثير من المعاني والمدلولات، ويحملها كل مهتم وراع في شؤون التراث، كما تحملها أغلب الشخصيات الرسمية وشيوخ وحكام ووجهاء وأعيان، لما في حملها من حسم وسند واعتزاز وفخر ورجولة، إضافة إلى أن حملها فيه الكثير من الزينة والهيبة لراعيها· وقديما كانت العصا تستخدم لحماية راعيها في حله وخاصة في ترحاله إذا ما سرى في الليل، وكذلك تستخدم للإتكاء عليها، وهناك من الرجال الأوائل من كان يستخدمها لقياس المسافات، وقيادة وتأديب المطية وللسيطرة على الماشية وقطعان الأغنام والإبل، منهم من يراها مناسبة لطرق الأبواب والاستئذان، ناهيك عن استخدامها كعامل ومساعد أساسي في كثير من الرقصات الشعبية بدول الخليج العربي والوطن العربي، بل وعلى وجه الخصوص في دولة الإمارات، حيث تستخدم في رقصتي (الرزيف) و(العيالة) بالإضافة إلى السيف والبندقية'·
هدايا للسواح
ويتابع مبارك البريكي: 'إن للعصا منظر حسن وغريب، يزيد من ثقة الشخص وهيبته ويساعد في زينته، وهذا ما كنا نسمعه من كثير من السياح العرب والأجانب الذين كنا نستقبلهم في ضيافة قرية التراث وفي أرجاء الإمارات بشكل عام للسياحة التراثية، حيث كانوا ينظرون إلى العصا ليس من نظرة أنها عصا للتخويف والحسم والشدة، بل إنها للوجاهة والهيبة والزينة، ولشدة إعجابهم بها، كنا نضعها ضمن أولويات الهدايا التي نقدمها لهم للذكرى، بل هناك الكثير من كبار الشخصيات والرؤساء والوزراء وأصحاب السعادة والسفراء الأجانب والسياح، من كانوا يطلبون من هذه العصي للذكرى عن دولة الإمارات، وكانوا دائما ما يسألون عن كيفية صناعتها واختلاف أشكالها·
ويشير البريكي وبالنسبة لي شخصيا حملت العصا منذ الصغر، حيث كانت تلازمني لركوب المطية، وللسيطرة على الحلال، ولم تفارقني إلى اليوم، حيث أضع منها الكثير في البيت والمكتب والسيارة، لأن هناك من الأصدقاء والزوار من يطلبها مني إعجابا بها، وبصراحة أجدني أيضا من هواة الاحتفاظ بالعصي، واقتناء أجودها وأحسنها، كما أحب أن أهدي الأصدقاء منها، وهناك قصة لعصا من أجود وأفخر الأنواع، أهداها لي سمو الشيخ مبارك بن سعيد آل نهيان، لما رأى من حبي واهتمامي بالعصا، وقال لي حافظ عليها لأنها عصا قيمة وهي من العود الخالص، وبالفعل تعد من أغلى العصي التي احتفظ بها وأعتز بها كثيرا·
استخدامات كثيرة
أما سعادة صقر بن سيف المحيربي، فهو من عشاق التراث، ويهتم به إلى درجة اقتنائه واحتفاظه لكثير من الأدوات والمقتنيات التراثية، ومن ذلك العصي، كما أن عصا المحيربي لا تفارقه أبدا حيث يحملها معه بشكل دائم، ويقول عن ذلك: العصا دائما يحملها الرجال، وأذكر أنني عرفت العصا منذ صغري حيث كان أهلي يحملونها بشكل رئيسي وأساسي، كما بدأت حملها منذ سن العاشرة، ولازلت أحملها إلى اليوم، فقد نشأت كما قلت في عائلة تقدر العصا وتعرف معانيها ورمزها التراثي والشعبي، ناهيك عن مرافقتي للمغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي نتعلم منه المعاني والعادات الأصيلة ومن ذلك حمل العصا، وكيف التعامل معها، وأذكر أنه رحمه الله تعالى قد أهداني إحدى عصيه النادرة والأصيلة، ولازلت إلى يومي هذا وأنا احتفظ بها وأقدرها، وأتشرف بحملها، ويشير سعادة صقر المحيربي إلى استخدامات العصا، فيقول الهدف من حمل العصا يأتي لأمور كثيرة، حيث نستعين بها في أمورنا وحياتنا اليومية سواء في المدينة أو في البر، ففي البر فإن العصا تكون لها الحاجة أكثر، وذلك لركوب الجمال وتأديب الجمال العاصية، وتخويف الجمال الذكورة في حالة الهدد، حيث تهاب منها الجمال وعندما تركب الجمل ويرى عندك العصا يطيعك في السير، وعندما تؤشر لها بالعصا تطيعك، كما يقوم حامل العصا بتأديب الخيل والجمال عند بداية سن الركوب، والعصا عند الرجل في الزمان الماضي كانت لها قيمتها، فهي الرفيقة في مساري الليل، عند اصطدامك ببعض الحيوانات الضارة مثل الحنيش والعقارب في الصحراء، كما نرهب بها كلاب الحراسة والصيد أمام البيوت، والرجل قديما عرف عندما يقبل، بحمله لبندقيته أو سيقه أو الخنجر أو العصا التي هي دائما برفقته، وأذكر أنني في المدرسة كنا نخاف من المطوع عندما يحمل العصا بيديه ونبذل الجهد الكثير في التركيز وحفظ القرآن الكريم، وبشكل عام يؤكد المحيربي أن العصا تلعب دور السند والحسم والشدة، وهي كانت ولا زالت ترفع في وجه كل متمرد وغير مطيع، 'فالعصا لمن عصا'·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©