الخميس 14 مايو 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
الترفيه

سالم الجمري.. عبقري القصيدة الإماراتية

سالم الجمري.. عبقري القصيدة الإماراتية
4 ابريل 2020 00:09

إبراهيم الملا

سالم الجمري «1910 – 1991».. اسم سامق وصيت شاهق في سماء الشعر النبطي الإماراتي، له حضور، وثقل، ومقام يتعلّى ويسمو في فضاءات الذاكرة المحلية المفعمة بالصور البهيّة، والمشاهد المبتلّة بالحنين، والأماكن المنتمية لبراءتها الأولى، ونواياها الصافية.
تتجلى في قصائد الجمري رائحة الأرض الريّانة، ولون البحر الزاهي، وصوت الليل الكتوم والمزدان بالتأملات والاستعادات الرهيفة في لحظة الانكشاف على الصمت، وهو ينسج بلطف الصوت الداخلي للشاعر، الصوت الذي يجعل من البوح تنهيدة خضراء، وصدى وارفاً ويانعاً، صوتاً يشكّل بإيقاعه الفاتن: مواويل الغواية والوجد العميق.
لم تكن الصدفة وحدها من اعتنت بموهبة الجمري، بل هو ذاته من اصطحب مغامرته الشعرية إلى حدودها القصوى، فغذّاها بجموحه الذاتي، ورغبته الحثيثة في مطاردة الدهشة أينما كانت، والظفر في النهاية بكل هذه الغنيمة الشعرية التي توّجت قصائده بالمفردات الجميلة والمعاني الجليلة والغايات النبيلة.

لم يكن من قبيل الصدفة أن يقرض الجمري الشعر في نفس الفترة التي امتهن فيها الغوص وواجه الظروف الصعبة دفعة واحدة، مشتبكاً مع صخب الدنيا وتحدياتها، وهو لا يزال في الخامسة عشرة من عمره، أي في بواكير حياته التي يتفتح فيها الوعي وتتشكل فيها المعرفة، إنها اللحظة الذهبية المشتركة الجامعة بين البحث عن جواهر الكلمات ونفائس المعاني في القصيدة، وبين البحث في نفس عن الوقت عن أكبر الدانات وأجمل اللآلئ في باطن الماء، ومن هنا أيضاً جاءت غزارة نتاجه الشعري وعمق دلالاته، وحسن تصاويره، مقارنة بما خبره في مهنة الغوص ومجابهة أهوال البحر من حنكة وصبر ومدارة وتمعّن، وهي صفات وسلوكيات اختزنها أثناء تعامله مع البحارة والغاصة الذين يتجاوزونه في العمر، وسماع قصصهم وحكاياتهم ومروياتهم الشعرية على ظهر السفينة، الأمر الذي صنع منه شخصية محبة للمغامرة والسفر والترحال، وشغوفة أيضاً بتوثيق المشاهد وتصوير المعالم قبل أفولها، سواءً جاء رصده لهذه المشاهد من خلال القصيدة أو من خلال الكاميرا التي أتقن التعامل معها لاحقاً عندما ذهب في الخمسينيات من القرن الماضي للعمل بالسعودية وفي مدينة الدمام تحديداً، الأمر الذي أهّله عند عودته إلى دبي لافتتاح استوديو تصوير خاص به بمنطقة السبخة، فكما كان الجمري بارعاً في التقاط اللحظة الشعرية الفارقة، كان موهوباً أيضاً في تثبيت الزمن داخل الصور الفوتوغرافية وبكل ما تحتويه هذه الصور من ذكريات ماثلة وملامح معبّرة وحالات وأحوال يصعب تكرارها.

امتلك سالم الجمري بعداً إنسانياً رحباً في تعامله مع الآخرين، وعاش متصالحاً مع نفسه، ومسكوناً بهاجس الشعر باعتباره قدراً ومصيراً، ورغم أن الجمري أصدر ديواناً شعرياً وحيداً بعنوان: «لآلئ الخليج»، والذي تكفل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بطباعته ونشره، إلاّ أن القصائد التي لم يحتويها الديوان ما زالت بحاجة للرصد والبحث والمتابعة، فالميراث الشعري غير المدوّن الذي تركه الجمري ما زال مجهولاً ومنسياً، ولن يسعه بالتأكيد ديوان شعري يتيم، وكذلك فإن الصور الفوتوغرافية التي التقطها بحاجة لمن يعيد إحيائها وعرضها، نظراً لأهميتها التاريخية، ولأنها وثقت لشخوص وأحداث وأماكن ابتلعها النسيان، وتلاشت في هدير الزمن، واستعادتها بالتالي ستضيف الكثير لسجلات وأرشيفات الصور النادرة المعبّرة عن نبض الحياة في فترة التحولات الكبيرة التي عاشها وعاصرها الجمري.
يقول الجمري في إحدى قصائده التي كتبها قبل رحيله بقليل في العام 1991:

شلت الهوى يوم الهوى عدل بعزوم
والمصعبات اللي إتن في الولاما
كم ليلة سامرت زينات لوشوم
وكم انظرت عيني حبايب نداما
وكم ليلة جاوزتها بين لقروم
في ظهور هجن في دجايا الظلاما
لي من بدا لازم علينا بملزوم
نعطي حقوقه الوافية بالتزاما
وكم غصت بحر لجته ديه انجوم
أجني من اللولو رفيع المساما
ولا همني بحر وبرد ولا غيوم
لو كان غمق مثل غبة سلاما
في هذه القصيدة يختصر الجمري وبشكل مكثّف رحلته الضارية التي لم تخل من متعة أيضاً في مسارات الحياة ودهاليزها ومشاقّها، والتي لم تمنعه أبداً من اقتحام مخاطرها، ومجابهة تحدياتها، واستشراف مستقبلها، معتمداً على عدته الكافية من الخبرة والجرأة والقدرة على التعامل مع أعتى الظروف وأصعبها، ويصف في هذه القصيدة الرائعة والماتعة مظاهر بيئية وجغرافية يتناوب فيها حضور الجمال والرهبة، والطمأنينة والحذر، والوداعة والقلق، فمن أشجار «القرم» الساحرة والمنتشرة قرب الأخوار التي مرَّ عليها وهو فوق ظهور الهجن، وحتى «غبة سلامة» المخيفة والمشتهرة بابتلاعها للسفن في عمق الخليج، يأخذنا الجمري في هذه القصيدة البصرية بامتياز في رحلة مشوّقة بين الذات الجامحة والمكتنزة بتصانيف العشق والهوى، وبين الطبيعة المتماوجة بلطف وبعنف أحياناً بين برّ وبحر وساحل، ضمن مشهدية بانورامية تتجلى فيها موهبة الجمري في التقاط الصورة المؤثرة والعاطفة المتجسدة والأنساق المتضادة والأخرى المتآلفة في درب حياته الحافلة والمليئة بالتجارب والمعارف والحدوس التي لا يمتلكها سوى القليل، والقليل جداً من البشر.
ويقول الجمري في القصيدة التي أدّاها الفنان ميحد حمد:
طال ليلي من تعلّيلي
من تجافي خلّي الغالي
باتوا ربوعي مذاهيلي
والخلي من ليعتي خالي
ما درا اللي يرتاح بمجيلي
ساهي لاهي عن أحوالي
ولا أنا ميت ميت حيلي
من مصاب الحب غربالي
إلى أن يقول:
ثيبني وافهم مراسيلي
مشتكي ووسعلي البالي
ودلّل بقلبي تدلّيلي
مدّعي إني مغرم حالي
جارحنّي في مجاتيلي
جرح لا يبلى ولا يشالي
وهذه القصيدة تؤكد بلا شك على سعة المخزون اللغوي الذي يمتلكه الجمري والمفعم بالجرس المحلّي والاشتقاقات المتفرعة من هذه اللغة والمتميزة بصيغتها الحركية وكأننا أمام لقطات سينمائية ولوحات تشكيلية تترجم حالة العاشق وتبرز أعمق ما فيه من مشاعر موزعة على الهيام والالتباس والحيرة والأرق والترقّب، وغيرها من المشاعر الخبيئة والظاهرة التي برع الجمري في استخلاصها وعرضها ورسمها ونحتها داخل الفضاء البصري للقصيدة، كاشفاً عن وهج عبقريته، والتماع بصيرته، وبريق موهبته في سبك العبارات المحكمة، وتوليف الغريب والعجيب من القول في سياق لحني ومشهدي يتخفف تدريجياً وبلطف من غموضه وتراكيبه المبهمة، ويصبح في النهاية نسيجاً شعرياً متآلفاً، قريباً من القلب وفائضاً بالمحبة.
ولعل في مطولته الشعرية التي تبدأ بحرف الألف وتنتهي بحرف الياء، ما يثبت قيمة وأحقية هذه العبقرية الشعرية التي تمتع بها الجمري، حيث يمثل هذا النوع من القصائد الشاملة للحروف الأبجدية والمتسلسلة في نسق رباعي صعب، تحدياً كبيراً لأي شاعر، ومن النادر أن يتصدى لها سوى الشاعر الحقيقي القادر على الخوض فيها والتمكن من توليفها وتحقيق شروطها وإبداعها بكل هذا الجمال وبكل هذا التميز كما فعل شاعرنا الكبير سالم الجمري، حيث يقول:
الألف أولف من فنون التماثيل
جيل عجيب في معاني التغزّيل
وأدلّ أمثالي على كل من حيل
بحضور قلبي وانتظاري عن الميل
الباء بديته في هوى من هويته
لي في سويدا ضامري حط بيته
طفل شغب قلبي وأنا ما سليته
لا جزت عن تبعه ولا نالني نيل
التاء تراني بيه شفيج وشافي
وآثار حبه حت به يشافي
شبه السليب الي بداه الهفافي
يا ويل قلبي من تجافيه يا ويل

وصولاً إلى حرف الياء الذي يختم بها قصيدته الطويلة قائلاً:
الياء يسامح من نظرته هل بيات
ألفاظ صبّ مولع بات ما بات
يلعي وشطّ به حب الخوندات
عزيل حاله من تجافيه عزّيل

مفردات أصيلة
القيمة الفنية العالية التي حملتها قصائد الجمري، صنعت جاذبية خاصة لدى المطربين والمؤدين الذين تفاعلوا مع إيقاعها الداخلي والخارجي ومع صورها البديعة، ومع مناخات الغزل الفارهة فيها، المصاغة بمفردات ذات جذر أصيل، ووقع محبب في الأسماع والأذهان، فغنى وأنشد المطرب: «حارب حسن» أحد رواد الأغنية الشعبية أجمل قصائد الجمري، وكذلك فعل علي بن روغة وميحد حمد، وغيرهم من المطربين الذين نقلوا تلك القصائد الفخمة إلى شرائح أوسع في المجتمع، فبات الناس يرددون أبياتها إلى اليوم، مستعيدين الشواهد والمآثر الغائبة في الزمن الجميل، الزمن الذي صادرته الانعطافات الشرسة، والذي كان رغم صعوبته محاطاً بألفة وتعاضد ومشاركة إنسانية ومجتمعية يصعب تكرارها إلا فيما ندر.
ومن أشهر قصائد الجمري التي غنّاها المطرب علي بن روغه تلك التي يقول فيها:

تريد الهوى لك على ماتباه
وقلبك تريده يحصل مناه
وخلّ تودّه تريده عطوف
صدوق يعاهدك عهد الوفاه
فلا شفت مغرم فواده مريح
ولا ريت خود هواها صحيح
فكم من متيم دعنه طريح
جفنّه وقالن نحن ما نباه

القرهود.. بداية الانطلاقة
ولد سالم الجمري في منطقة القرهود بدبي عام 1910، وجاء قرض الشعر بالنسبة للجمري في بداياته الأولى، وفي مراحل حياته التالية، مثل نهر متدفق يروي به عطشه للتعبير عن محطات كثيرة مبهجة ومحزنة صادفها خلال عمره المديد، وكان اطلاعه وإعجابه بقصائد شعراء كبار أمثال الماجدي بن ظاهر، وأحمد بن عبدالرحمن بوسنيده، ومحمد بن ثاني بن زنيد، وخلفان بن يدعوه الشامسي، وكذلك لقائه بالشاعرين الكبيرين راشد الخضر، ومبارك بن حمد العقيلي، ومجالسته الشعراء الأكبر منه سنّاً، كل ذلك خلق لديه قاموساً هائلاً من التراكيب والمفردات الباهرة، والقدرة على صوغ وترجمة الأغراض الشعرية المتنوعة التي أثرت قصائده لاحقاً، وجعلت منه صوتاً متفرداً واستثنائياً بين الأصوات الشعرية الأخرى في إمارات الدولة المختلفة، كما أن رحلاته ومغامراته وتنقلاته بين الشارقة وعجمان والكويت والسعودية واليمن وأفريقيا والهند وغيرها من البلدان والمناطق، وامتهانه لحرف ومهن متعددة مثل الغوص والصيد وكتابة الرسائل والعرائض والعمل في محطات استخراج النفط والتجارة والتصوير، صنعت منه شخصية منفتحة على الثقافات المختلفة، والبيئات المتمايزة.

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©