فداء طه:
باستثناء (العباية) الإماراتية، من النادر أن تجد المرأة المحجبة، وحتى المحتشمة من غير المحجبات في أسواق أبوظبي، الملابس المناسبة لارتدائها سواء في العمل أو في الزيارات والمناسبات الرسمية، إذ صارت أغلب الملابس المعروضة في الأسواق أشبه بملابس للسهرة سواء من ناحية العري أو من ناحية الألوان الفاقعة أو اللامعة البراقة، أما عملية البحث عن الملابس المستورة والمحتشمة فهي أشبه بالبحث عن إبرة وسط كومة من القش·· والمراقب لأحوال البضاعة لاسيما (الستاتية) الموجودة في أغلب مراكز التسوق و (البوتيكات) يجد أنها مبتورة أو 'مخرومة' في معظم الجزئيات إما من جهة الأيدي أو الأرجل أو من ناحية الوسط أو من كل الجهات معا، وكأنه بات على جميع السيدات أن يصبحن أوروبيات المظهر حتى ولو بالغصب والإكراه·
هذه الظاهرة التي استفحلت في المحلات، أدت بالكثير من السيدات المحجبات أو 'المستورات' إلى تغيير مظهرهن وطريقة لباسهن في أحيان كثيرة وارتداء ملابس هن غير مقتنعات بها، في حين لجأت البقية الباقية منهن إلى تفصيل ملابسهن عند الخياطين ولو كان ذلك بأسعار عالية لأن للضرورة أحكاما!
تقول فدوى طاهر: 'منذ أن جئت للإقامة في أبوظبي وأنا أعاني من مسألة شراء الملابس، فأنا محجبة لكنني لا أرتدي الجلباب الشرعي وإنما الملابس العادية الفضفاضة، والمشكلة التي أواجهها عند شرائي الملابس هي عدم وجود الفضفاضة منها في الأسواق فجميع البضاعة المعروضة ضيقة وقصيرة لا تناسب المحجبات، وإذا وجدت، على سبيل المثال، قميصا بأكمام طويلة فإنه يكون قصيرا من ناحية البطن، وإذا وجدته طويلا من عند البطن فإنه يكون مبتور الأكمام وهكذا·· إنني في بعض الأحيان أخرج كل يوم إلى الأسواق لأبحث عن الملابس الفضفاضة المناسبة فلا أجدها إلا بالصدفة، والمشكلة أنه لا يوجد محل أو بوتيك معين لبيع ملابس المحجبات أو الملابس المستورة، وإنما لا بد من البحث باستمرار فربما بطريق الصدفة أجد ما أبحث عنه'·
وتضيف فدوى: 'لهذا السبب صرت، في أغلب الأحوال، أرتدي ملابس غير مقتنعة بها، ولكن ماذا أفعل فهذا هو الموجود في الأسواق، ففضلا عن ارتفاع أسعار الملابس فإنها غير مناسبة للمرأة المسلمة الملتزمة، وأنا استغرب كيف نعيش في دولة عربية وأغلب الملابس المعروضة في الأسواق تبدو وكأنها موجهة إلى الأوروربيات وليس للمرأة العربية!'·
أبو محمد (والد لأربع فتيات في عمر الصبا) يقول: 'لقد تحدثت مع زوجتي لأكثر من مرة وأبديت اعتراضي على ملابس البنات، فهي لا تعجبني ولا أراها محتشمة بشكل كاف، وعندما كانت تجيبني زوجتي بأن هذا ما يعرض في الأسواق كنت غير مصدق للأمر، حتى خرجت في إحدى المرات وقلت أنا أريد أن أنتقي الملابس المناسبة لبناتي، وجلست لمدة يوم كامل وأنا أتنقل بين المحلات المختلفة في أبوظبي وبالفعل لم أجد ما يناسبهن من ملابس فضفاضة، فالبضاعة المعروضة في الأسواق كأنها غير معنية بالعرب المسلمين والنساء المحتشمات، وكل ما هو معروض عبارة عن عينات من الملابس، فالتنانير قصيرة في الغالب والبنطلونات معظمها خصر ساحل، والقمصان قصيرة الأكمام والخصر ضيقة، أما الملابس الفضفاضة فليس لها مكان في محلات وأسواق أبوظبي!'·
وتقول زوجته ، أم محمد، 'إن البحث عن الملابس المحتشمة والمستورة في أسواق أبوظبي بات أشبه بالمهمة المستحيلة، وكلما خرجت لشراء ملابس محتشمة لبناتي أشعر وكأنني أبحث عن إبرة وسط كومة من القش، فالملابس المعروضة ليست محتشمة وحسب وإنما فاضحة في كثير من الأحيان'·
وتقول منى عبدالله (موظفة في أحد البنوك): 'إن مشكلة الملابس هي أحدى المشاكل التي تؤرقني وتزعجني بشكل كبير، وعلى الرغم من أنني لست محجبة لكني امرأة محافظة ولا أقبل ارتداء الملابس الفاضحة ولهذا أواجه مشكلة كبيرة في إيجاد الملابس المحتشمة في الأسواق، فأنا عاملة في بنك ويجب أن أرتدي ملابس تليق بعملي ومكانتي ولا يجب أن أذهب إلى العمل بملابس سهرة أو ملابس فاقعة الألوان وإنما يفضل ارتداء الملابس الرسمية، ولكن يبدو أن مطلبي هذا صعب المنال داخل أسواق أبوظبي، إذ أن غالبية الملابس المعروضة ملابس فاضحة وغير مناسبة للعمل، و معظمها عبارة عن ملابس للسهرة!'·
وتعلق سناء المغربي، على الموضوع بقولها: 'إن البحث عن الملابس المستورة في أبوظبي مشكلة المشاكل، وبصراحة يئست من إيجاد ما يناسبني من ملابس سواء من ناحية الموديلات والحشمة أو من ناحية القياسات، فالملابس المعروضة في الأسواق كلها إما أوروبية وتناسب أجساد الأوروبيات، أو آسيوية وتناسب أجساد الآسيويات، ونحن العربيات أجسامنا مختلفة ولكن لا يوجد ما يناسبنا في الأسواق، ولهذا فإنني لا أشتري ملابسي من هنا، وإنما انتهز فرصة الإجازة الصيفية وعندما أعود لبلدي أقوم بشراء الملابس المناسبة وهو الأفضل لي من جميع النواحي'·
أما وداد الظاظا، فتقول إنني لا أشتري ملابسي من الأسواق، فالملابس الموجودة غير معنية لا بالمحجبات ولا بالمحافظات وإنما كلها عبارة عن ملابس أوروبية موجهة لفئة معينة من النساء، ولهذا فإنني منذ سنوات طويلة وأنا أقوم بالتفصيل لدى محلات الحياكة النسائية، صحيح أن التكلفة قد تكون أعلى في بعض الأحيان ولكن هذه هي الطريقة الأسلم بالنسبة للمرأة المحجبة إذ تنتقي الموديل واللون المناسب بالطريقة التي تريدها·
من جهة أخرى يرى أصحاب المحلات التجارية الخاصة بالملابس النسائية إن الملابس الأوروبية التي تماشي آخر صيحات الموضة هي الأكثر رواجا وإقبالا من النساء سواء العربيات أو الأوروربيات، وحول كيفية اختيار البضاعة ومكان استيرادها، تقول إحدى الموظفات في بوتيك نسائي، إننا نستورد بضاعتنا من إيطاليا، وبصراحة نحن لا ننظر لمسألة التنويع في البضاعة المستوردة للمحل بحيث يكون جزء منها مستورا أو مناسباً للمحجبات، وكل ما نأخذه بعين الاعتبار هو الموضة فالتشكيلة التي نستوردها يجب أن تواكب آخر صيحات الموضة، فإذا كانت الموضة لهذا الموسم فضفاضة فإنه من حسن حظ المحجبات والمحافظات أما إذا لم تكن كذلك فعليهن أن يبحثن في مكان آخر، وعليه فإن مسألة إيجاد ملابس بأكمام طويلة وفضفاضة هو أمر يعتمد بالفعل على الصدفة البحتة!
وبالنسبة لإمكانية تخصيص أو استيراد جزء معين من البضاعة خصيصا للمحجبات تقول الموظفة من الصعب أن نوفر ذلك، لأن زبائننا، وهم بالمناسبة من كافة الجنسيات العربية والأوروبية، يريدون هذه النوعية من الملابس الأوروبية، كما أن المحجبات عادة لا يشترين كثيرا بعكس الأخريات فإنهن يشترين بشكل دائم وخاصة ممن يسهرن فهن يشترين دائما ملابس للسهرة·
أما سمر، وهي موظفة في بوتيك نسائي، تعمل في بيع الملابس الستاتية منذ ستة أعوام، فقالت نحن في عصر الموضة والتطور السريع والحجاب يتنافى مع الموضة، فحتى الفتاة المحجبة عندما تبحث عن عمل قلما تجده بسبب حجابها وأغلب أماكن العمل تفضل الفتاة غير المحجبة، هذه حقيقة تعاني منها الكثير من المحجبات·· لهذا قلما تجد المحجبات، الملتزمات، ملابس مناسبة لهن وغالبا ما يلجأن للتفصيل·· أما بالنسبة للملابس التي نبيعها في محلنا فهي مستوردة من فرنسا، وهي تلاقي إقبالا كبيرا من الزبائن من مختلف الجنسيات، سواء الأجنبيات أو العربيات وحتى المواطنات اللواتي يرتدين أرقى الملابس وأكثرها موضة ولكن تحت العباءة الإماراتية·
وتضيف سمر، عندما نجلب بضاعتنا في المحل نراعي الموضة بالدرجة الأولى، ونحرص على أن تكون التشكيلة حديثة جدا ولا ننظر إلى شكل الملابس أكانت طويلة أم قصيرة، ولكن الملفت للنظر أنه حتى عندما يكون ضمن التشكيلة ملابس طويلة وفضفاضة فإن الزبائن لا يشترونها، بل يبحثون عن ملابس السهرة·· كما أن كثيرا من المحجبات، وخاصة المراهقات، يرتدين اليوم ملابس ضيقة وقصيرة وبألوان فاقعة ولا يمنعهن الحجاب من اللبس على الموضة!