بقلم ـ د· نصر الدين لعياضي:
تواترت الدراسات الميدانية التي تؤكد تراجع نسبة مشاهدة القنوات التلفزيونية الفرنسية في دول المغرب العربي: (تونس، الجزائر، المغرب)، من سنة إلى أخرى· وتبين، بالمقابل، بالإحصائيات والبيانات، مستوى تزايد شعبية الفضائيات العربية أمام استقرار نسبة مشاهدة القنوات التلفزيونية الوطنية في هذه الدول· فحسب الدراسة التي أعدتها مؤسسة 'سيغما' للاستشارة ) liesnoC amgiS(، التي يوجد مقرها في تونس وترصد التحولات في مجال وسائل الإعلام والإعلان في دول المغرب العربي الكبير، حظيت القناة الجزائرية بنسبة %49,5 من مجمل مشاهدي الشاشة الصغيرة بالجزائر، خلال الفصل الأول من السنة الحالية· تليها القناة التلفزيونية التونسية السابعة بنسبة 48,3 % من المشاهدين التونسيين· وأخيرا القناة المغربية ( 2 م) بنسبة تقل عن نسبة مشاهدة القناتين المذكورتان أعلاه، إذ تقدر ب %45,7 من مجمل مشاهدي التلفزيون في هذا القطر الشقيق·
إن موقع القنوات التلفزيونية المحلية في خارطة المشاهدة التلفزيونية في دول المغرب العربي قد ينسينا وقائع أواخر الثمانينات من القرن الماضي التي شهدت إقبالا جماهيريا كبيرا على امتلاك الصحون اللاقطة من أجل التقاط القنوات التلفزيونية الفرنسية· فسعر هذه الصحون وتجهيزاتها كانت تفوق طاقة الشخص الواحد، في ذلك الوقت· لذا لجأ سكان أكثر من عمارة سكنية للاشتراك في شراء صحن لاقط جماعي، وذلك مقابل مبلغ مالي قد يفوق راتب الموظف المتوسط في المؤسسات الإدارية الحكومية لمدة ثلاثة أشهر كاملة! لقد اضطر البعض إلى تجويع أسرته من أجل امتلاك الأداة الضرورية التي تسمح له بمتابعة برامج التلفزيون الأجنبي، خاصة الفرنسي· هكذا انتشرت الصحون اللاقطة فوق العمارات والخيم، وحتى في أحياء الصفيح! و انقلبت القاعدة، التي كانت تعتبر بديهية، والمتمثلة في أن الشخص ينفق دخله الشهري أو السنوي لسد جملة من الاحتياجات مرتبة وفق الأولويات: المواد الأساسية والضرورية للبقاء على قيد الحياة أولا، ثم تأتي الكماليات· لكن تهافت شعوب دول المغرب العربي على شراء أجهزة التلفزيون والاشتراك في امتلاك صحن لاقط لمتابعة برامج التلفزيون الفرنسي قد بين بأن الإطلاع على الحياة في بلد معين عبر الشاشة الصغيرة لا تدرج ضمن الكماليات، بل تعتبر جزءا من متطلبات الفرد الأساسية·
حالة خاصة
ربما يشكل وضع دولة تونس الشقيقة حالة خاصة مقارنة ببقية الدول المغاربية: ليبيا، الجزائر، المملكة المغربية وموريتانيا· ففي سنة 1989عبر النظام التونسي الجديد عن إرادته في الانفتاح السياسي والاقتصادي عبر جملة من الإجراءات، مثل: الانتخابات التعددية، وحرية الصحافة·
ففي هذا الإطار سمحت السلطات التونسية للقناة الثانية من التلفزيون الفرنسي، التابعة للقطاع العام، من البث الأرضي لبعض برامجها في ربوع الدولة· وربما كان هذا الاختيار نابعا من رؤية استراتيجية تعتقد بأنه لا مفر من البث الفضائي الذي' ينتهك' الحدود، حيث لا يمكن صده تقنيا، ويصعب منع الجمهور من متابعة القنوات الفضائية· لذا فضلت تمكين التونسيين من مشاهدة بعض برامج القناة الثانية من التلفزيون الفرنسي التي تبث أرضيا لثنيهم عن شراء الصحون اللاقطة·
وقد اعتبرت فرنسا، من جهتها، أن بث هذه القناة، أو غيرها من قنوات التلفزيون الفرنسي يندرج ضمن إستراتيجية إعلامها الخارجي الذي يطمح إلى تمتين علاقاتها بدول المغرب العربي باستثمار التاريخ الثقافي المشترك الذي تحركه اللغة الفرنسية، وتحسين صورتها وترقيتها لدى أبناء المغرب العربي· إضافة إلى الترويج للسلع والمنتجات الفرنسية: السيارات والملابس، والعطور ومواد التجميل، والمواد الغذائية·
تراجع
لقد كانت نسبة مشاهدة الفضائيات الفرنسية تقدر ب 29% من مجمل مشاهدي الشاشة الصغيرة في دول المغرب العربي الثلاث ( أي 21 مليون مشاهد) في السنة الماضية· وتراجعت هذه النسبة إلى 25% في الفصل الأول من السنة الحالية، لتبلغ 16 مليون مشاهد· إن هذا التراجع يتباين من قناة تلفزيونية فرنسية إلى أخرى، ومن دولة مغاربية إلى أخرى· فحجم التراجع يبدو ضئيلا في الجزائر مقارنة بتونس والمغرب· والسبب في ذلك يعود، في اعتقادنا، إلى كثافة حضور اللغة الفرنسية في المدن الكبرى الجزائرية وفي مؤسساتها الاقتصادية والمالية والإدارية والثقافية: مثل الصحف·
يدفعنا هذا التراجع، حتى وإن كان نسبيا، إلى التفكير وطرح السؤال: ماذا جرى حتى يقل شغف أبناء المغرب العربي بالقنوات التلفزيونية الفرنسية من سنة إلى أخرى، وعلى مدار عقد كامل من الزمن؟
إن الإجابة على هذا السؤال ليست هينة، رغم أن البعض يسعى لتذليلها بالقول بأن الزمن تبدل، فجمهور التلفزيون في دول المغرب في مطلع الألفية الحالية يختلف عن جمهور النصف الثاني من الثمانينات من القرن الماضي، كما أن القنوات التلفزيونية قد تغيرت بدورها· يبدو أن هذا القول بحاجة إلى تحديد وتدقيق حتى يساعد القارئ الكريم في فهم سر التراجع المذكور·
بالفعل، لقد تغيرت خارطة الفضاء السمعي- البصري في الدول المغاربية، حيث تزايد عدد قنوات كل دولة من دول المغرب العربي· وبدأت الفضائيات العربية في تزايد مستمر لتبلغ أكثر من 130 قناة ذات الاهتمامات المختلفة والتوجهات المتنوعة: قنوات شاملة، وأخرى متخصصة في الرياضة، والسينما، والمنوعات والمودة، والعقار والتي تعمل على إرضاء كل الأذواق وكل المستويات العمرية والاجتماعية والثقافية· لذا نلاحظ بأن هذه القنوات تحظى بنسبة 30% من عدد المشاهدين في الدول المذكورة· وبهذا تفوقت على قنوات التلفزيون الفرنسي·
البحث عن تفسير
نعتقد أننا نعجز عن تقديم تفسير منطقي ومقنع لهذا التراجع دون التوقف لتفسير ظاهرتين تبدوان مترابطتان في المظهر: الظاهرة الأولى تتمثل في ارتفاع عدد متابعي برامج القنوات التلفزيونية المحلية في الدول الثلاث، لتبلغ 33 مليون مشاهد· والظاهرة الثانية تتمثل في تزايد عدد مشاهدي الفضائيات العربية غير المغاربية في الدول ذاتها لتبلغ 19 مليون مشاهد·
قد نعثر على تفسير للظاهرة الأولى في القول أن عدد القنوات التلفزيونية المغاربية قد تزايد فأتاح الفرصة، أكثر، لعرض جملة من البرامج أكثر تنوعا لكن التنوع لا يعني بالضرورة، نوعية جيدة من البرامج· فتزايد الكم لا يؤدى آليا إلى الكيف· فقطاع واسع من جمهور البلدان المغاربية أصبح مجبرا على متابعة القنوات التلفزيونية المحلية الأرضية· حقيقة، إن الصحون اللاقطة تحتل أسقف العمارات والمبانى السكنية الفاخرة، لكن الكثير من ساكني مدن الصفيح، والأحياء الفقيرة والأرياف لا يملكون من المال ما يمكنهم من اقتناء جهاز استقبال البث التلفزيوني الذي أصبح رقميا·
إن المشاهد في دول المغرب العربي، خاصة الذي لا يجيد قراءة الصحف أولا يملك المال الكافي لشرائها يوميا، يجد نفسه منساقا، سواء بحكم العادة أو الحاجة، إلى متابعة الأخبار التي تبثها القنوات التلفزيونية المحلية للإطلاع على القوانين الجديدة التي تمسه مباشرة، وإن كانت تقدم، في كثير من الأحيان، في قالب دعائي أو تفاخري·
قاسم مشترك
نرى أن جمهور التلفزيون في بلدان المغرب العربي يشترك مع غيره من متتبعي الشاشة الصغيرة في العالم، إذ يشاطرهم الاهتمام 'بالهوية المحلية'، التي تعبر عن الشعور القوي الذي يبديه بعض الأفراد نحو إقليم محلي واحد· إن القناة التلفزيونية المحلية تعد من الأدوات النشيطة التي تعمل على صقل هذه الهوية، والتي يقول عنها الباحث الجزائري الأستاذ سعيد لوصيف في بحثه المعنون؛ (عولمة الاتصال والحقل التلفزيوني في الجزائر) : 'في ظل العولمة التي تدفعنا إلى ترك الحدود الوطنية، تظل فكرة الإقليم المحلي على مستوى التصور الذهني قائمة والدليل على ذلك انتشار المحطات الإذاعية والقنوات التلفزيونية المحلية في الدول الغربية: فرنسا، إسبانيا، وغيرها'· فالعولمة تحدث حركية تبدو متناقضة: تنأى بالفرد خارج الحدود وتعمق إحساسه بالانتماء إلى مجموعة بشرية معينة·
لعل الاهتمام بالهوية المحلية هو الذي كان وراء ارتفاع عدد مشاهدي الفضائيات العربية· فإذا كانت قناة الجزيرة تحظى بنسبة 10% من عدد المشاهدين في المملكة المغربية لأسباب سياسية معروفة، فإن قناة (أم· بي· سي) تحتل المرة الأولى ضمن قائمة القنوات الفضائية العربية في الجزائر وذلك للتخمة السياسية التي عانى منها الشارع الجزائري لمدة تزيد عن العقد من الزمن مما أضفى فتورا في علاقته بالبرامج السياسية التلفزيونية· وتعود الرتبة الأولى في تونس إلى قناة روتانا للأفلام·
درس التاريخ
ربما يفيدنا التاريخ قليلا لفهم العلاقة بين قناة روتانا والمشاهد التونسي· ففي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي كانت القناة الأولى من التلفزيون الإيطالي تبث في تونس، وقد حاولت القناة التلفزيونية التونسية، في تلك السنوات أن تنافس هذه القناة التي تتميز بإيقاعها السريع، وميلها لبرامج المنوعات، وزخرفتها الإخراجية·
ويفسر بعض المختصين تزايد الإقبال على الفضائيات العربية في دول المغرب العربي لتقاربها الثقافي واللساني مع الجمهور المغاربي· بمعنى أن هذه الفضائيات هي أقرب إلى ثقافة ووجدان المشاهد المغاربي من القنوات الفرنسية· وقد لعبت الموسيقى وأغاني الفيديو كليب دورا لا يستهان به في زيادة اهتمام المشاهدين المغاربة بالفضائيات العربية· ولعل المكالمات الهاتفية والرسائل الهاتفية القصيرة، ورسائل البريد الإلكتروني التي يوجهها أبناء المغرب العربي، خاصة الشباب، إلى برامج المسابقات والمنوعات في الفضائيات العربية خير دليل على هذا الاهتمام· فبفضل هذه الفضائيات انتشرت الأغنية الخليجية في بلدان المغرب العربي بسرعة لم تكن متخيلة قبل البث التلفزيوني المباشر·
عدم رضا
تكتمل صورة خارطة مشاهدة القنوات التلفزيونية في دول المغرب العربي بما يصرح به المشاهدون ذاتهم، الذين يؤكدون بأنهم أصبحوا أكثر حذرا في متابعة البرامج الإخبارية ونشرات الأخبار التلفزيونية في القنوات الفرنسية· إنه الحذر الذي يعبر جزئيا عن عدم الرضا على ما تطرحه هذه القنوات سواء بخصوص صورة الإسلام والمسلمين أو في محاباة أو مجاملة إسرائيل عبرالتغطيات الصحفية للأوضاع في الأراضي المحتلة منذ الانتفاضة الفلسطينية الأولى· لقد دأبت الكثير من القنوات التلفزيونية الفرنسية على الكيل بمكيالين في موضوع النزاع الإسرائيلي العربي·
حقيقة إن القنوات التلفزيونية الفرنسية لم تتغلغل في كل النسيج الاجتماعي المغاربي، إذ ظلت تستقطب الفئات الاجتماعية العليا والمتوسطة المقيمة في الشريط الساحلي، والتجمعات العمرانية الكبرى: المثقفون وأصحاب المهن الحرة: مهندسون، أطباء، أساتذة الجامعة، والكوادر العليا· بينما ظل سكان الصحراء الواسعة ومناطق الهضاب العليا والأرياف متمسكون بالقنوات التلفزيونية المحلية والفضائيات العربية·
لقد انتقلت العديد من القنوات التلفزيونية الفرنسية إلى البث الرقمي المباشر المشفر، وزاد معها الغلاف المالي الذي تخصصه الدول المغاربية لاستيراد تكنولوجيا الاستقبال التلفزيوني· فالجزائر، على سبيل المثال، صرفت مبلغ 122مليون دولار لهذا النوع من الاستيراد خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة ·2002
لقد تعب المشاهد المغاربي من هذا الانتقال، وهو يمارس مع القنوات التلفزيونية الفرنسية المشفرة لعبة القط والفأر منذ سنة تقريبا· فالمختصون في المعلوماتية وبائعي أجهزة الاستقبال التلفزيوني يسهرون ليل نهار لفك رموز تشفير حزمة البرامج التلفزيونية الفرنسية، وبمجرد أن يحققوا ذلك تعيد هذه القنوات الكرة لتغيير رقمها المشفر··