القاهرة (الاتحاد)
قامت مملكة ماري، شمال شرق سوريا، على نهر الفرات، متاخمة للحدود السورية العراقية من الشرق، تأسست في العام 2900 قبل الميلاد، ظلت لأكثر من ألف عام منارة للحضارة، وتشير الوثائق التاريخية التي وجدت على جدران المعابد والقصور والرقع الأثرية أنها سبقت عصرها بآلاف السنين، وتولى حكمها سبعة ملوك في الفترة من العام 2015 - 1920 قبل الميلاد.
سعت مملكة ماري إلى تأسيس جيش قوي للحفاظ على أراضيها وتأمين حدودها، وامتلكت جميع أدوات التفاعل مع الحياة المدنية بكافة المجالات العمرانية والزراعية والعلاقات الاقتصادية والتجارية واستطاعت أن تمتزج وتتفاعل معها، وساهم موقعها الاستراتيجي، الذي شكل مركزاً تجارياً مهماً بين البحر المتوسط وبلاد ما بين النهرين وآسيا الصغرى وقبرص وكريت، وأعطاها سلطة الرقابة على طرق القوافل التجارية، وجعلها نقطة تواصل حضاري بين ممالك العالم القديم.
ساهم نهر الفرات في زيادة العمل بالنشاط الزراعي وتوفير منظومة زراعية متطورة، ومنحها إمكانات لتكون مكتنزة بالخيرات والمساحات الزراعية المتوفرة، حيث تتمتع أرضها بالتربة الخصبة التي يجلبها النهر من طمي ومياه وفيرة في موسم الفيضان، ما أدى إلى زيادة المحاصيل وخاصة القمح والأرز والسرو، وكذلك تطور طرق الري التي تحولت من البدائية إلى استخدام السواقي والسدود، وقام الماريون بحفر القنوات لرفع المياه، بالإضافة إلى الاتجاه لتربية الحيوانات، كما سهل موقعها على النهر مرور السفن التي ساعدت في نشاط وازدهار الحركة التجارية وتبادل الثقافات، وجعل من المملكة محطة مهمة على الطريق التجاري بين بلاد الشام وبلاد الرافدين، أدت إلى وجود علاقات دولية مع بابل ونينوى وآشور وأوغاريت ويمحاض، وامتدت من دلمون «البحرين حالياً» إلى قبرص، مما أنعش حركة الاقتصاد، كما كانت للحياة الفنية الصناعية نصيب من الازدهار والتطور فتميزت المملكة في الصناعات الفخارية والحرفية ونقش الأختام، وأدت التوسعات العمرانية إلى زيادة عدد القرى، وإقامة كافة المنشآت التي تخدم السكان والوافدين.
أوضحت المخطوطات والرسائل، التي تم العثور عليها أن المملكة لها دور في التطور البشري وكشفت الجوانب الإنسانية، التي أولتها المملكة بوجود جمعيات للفقراء وإتاحة متطلبات المعيشة ما أدى إلى الاستقرار، كما أظهرت المخطوطات اللغات التي تكلم بها سكان ماري منها السومرية والأكادية القديمة والحورية واللهجات العمورية، وعرفوا صناعات الزيوت والخمور والمنسوجات ومساحيق التجميل وطرق المعادن والنقش على الأحجار، ووجود الحلي والمجوهرات والنحاس والبرونز والحديد بالإضافة إلى القصدير وأواني الشرب وأغطية الأسّرة.
اهتم الماريون بمنظومة التعليم، وحققوا نجاحات كبيرة في الرياضيات، وعرفوا قوانين دوران الشمس والقمر والكسوف والري.
تدهورت الأوضاع في مملكة ماري، بعد وفاة الملك شمشي آدد، فضعفت وأفل نجمها، وتم تدميرها على يد الجيش البابلي بقيادة حمورابي في العام 1760 قبل الميلاد.