الأحد 19 ابريل 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

انفعال ،غضب ،عصبية والحجة إني صائم

17 أكتوبر 2005

القاهرة - أحمد مراد:
خلافا لما يغرسه رمضان في نفس المسلم من هدوء واطمئنان نفسي، وحكمة وعقلانية يتحكم بها في كل ما يصدر عنه من قول أو فعل، ويكظم بها غيظه ويعفو عن من يسيء إليه نجد هناك من يثور ويغضب ويتعصب وينفعل، كلما صادفه أمر لا يرضي عنه، وقد يكون بسيطا لا يستحق التسرع في الغضب والتعصب وليته يقف عند هذا الحد، بل يتخذ من الصيام حجة لهذا الغضب والانفعال وتحت شعار 'اني صائم' يبرر غضبه وعصبيته، وكأن الصيام هو الذي يدفعه الى الغضب ممن حوله!!
فلماذا ينفعل الناس في رمضان؟ وهل العصبية مرتبطة بالجوع والعطش والامتناع عن المنبهات؟ ومن أين يأتي هذا السلوك المرفوض ورسولنا الكريم يقول: 'الصيام جنة فاذا كان احدكم صائما فلا يرفث ولا يفسق ولا يجهل، وان امرؤ شاتمه او قاتلة فليقل إني صائم'؟
تقول الدكتورة سعيدة ابوسوسو - أستاذة علم النفس بجامعة الازهر-: الانفعال والعصبية وسرعة الغضب وغيرها من السلوكيات العدوانية، هي في حقيقتها صور مختلفة لاضطرابات سيكولوجية ترتبط بمؤثرات شخصية ووراثية ولا علاقة لها بالجوع والعطش أو حتى الامتناع عن التدخين أو غيره من المنبهات، ومن المؤكد علميا ان الامزجة النفسية والتي ترتبط بها انفعالات الشخص وأفعاله وسلوكياته تختلف باختلاف الاشخاص والبيئات التي يولدون فيها، والصفات الوراثية والسيكولوجية التي يحملونها، فهناك أشخاص لديهم استعداد نفسي مسبق للانفعال والغضب، كلما صادفهم مؤثر خارجي لا يتفق أو يتماشى مع مزاجهم الشخصي ودوافعهم النفسية، فيظهر رفضهم له في صورة سلوكيات عنيفة كالتعب والانفعال والغضب بحجة الصيام، وهي مجرد حجج واهية لا اساس لها، فليس هناك اية صلة من قريب او من بعيد بين الانفعال والعصبية وبين الصيام، بل على العكس من ذلك فالصيام يشيع في نفس الصائم الطمأنينة والهدوء النفسي، الذي يجعله حكيما في كل أفعاله وأقواله كما أن الصيام يكبح جماح الغضب والعصبية، بما يغرسه من مبادىء طيبة تقوم أفكار الشخص واتجاهاته وميوله الوجدانية والنفسية
وتضيف د سعيدة: والانفعال والعصبية والغضب قد يكون لهم سبب آخر، يتمثل في الضغوط النفسية التي يتعرض لها بعض الأشخاص في شهر رمضان، من جراء ارتفاع النفقات خلال هذا الشهر، والذي - للأسف - صار يمثل عبئا ماديا كبيرا تزداد فيه النفقات الشخصية والأسرية، ومن هنا افتقد رمضان بيننا مقاصده الحقيقية، بعد أن ارتبط بمظاهر حياتية وسلوكيات يومية ما أنزل الله بها من سلطان، فالعيب إذن فينا وليس في الصيام أو في رمضان
جماح الغضب
وتقول د منى غيطاس - الأستاذة بكلية الدراسات العربية والإسلامية بجامعة الازهر -: رمضان شهر كريم معظم، تسود فيه قيم السماحة ومبادىء البر، ولكن بالرغم من عظم هذا الشهر، إلا إننا نجد الكثير من الصائمين وقد تملكتهم نوازع تفتك بصيامهم كالغضب والانفعال والعصبية لأتفه الاسباب، ولا يعلم هؤلاء أن قيمة الصيام مادية ومعنوية، فالأولى لان الصيام ينظم الطعام ويساعد المعدة على القيام بعملها بنشاط، والثانية تبدو فيما يفعله الصيام من ضبط النفس وكبح جماح غرائزها والبعد عن الشطط في انفعالات الصائم فاذا لم يتحقق هذا الهدف من الصيام فما الغاية المرجوة منه اذن فالصائم هو من يمنع نفسه عن سائر المحرمات ومن يملك زمام نفسه فلا تفلت منه وقت الغضب ويملك توجيه انفعالاته وعواطفه وغير ذلك مما يغرسه الصيام في نفس الصائم
وتضيف: وهذه الظواهر الانفعالية نستطيع أن نجد لها حلولا تتعلق بالفرد والجماعة على السواء، وفيما يتعلق بالفرد فمطلوب منه الإيمان العميق بالله وبحكمته من فرض الصيام، والنظر إلى الطعام والشراب باعتبارهما وسيلة للحياة ليسا غاية لها فضلا عن ممارسة الصيام طوال العام حتى يتعود الجسد والنفس عليه، فهو ليس موسما واحدا، بل إن الصيام النفلي يفتح الباب على مصراعيه امام المسلم ينهل منه كما يشاء وكأنه علاج رباني لما يطرأ على الإنسان، وليت المسلم يغتنم فرصة الصيام في شهر شعبان كما كان يفعل رسولنا الكريم كتمهيد وتوطنه ليصوم رمضان والصبر عليه وازكاء النفس وإعلاء روحانيتها لتتفوق على ماديات الحياة وتتطهر من ادرانها ولا شك أنه إذا ما توفرت هذه الخصال في الفرد المسلم، استطاع ضبط نفسه وكبح جماح غضبه واستطاع اعلاء راية السماحة مع الاخرين، وإزكاء شعلة المودة والرأفة بهم
أما فيما يتعلق بالجماعة فالمطلوب عدم ارهاق العاملين بمؤسسات وهيئات الدولة بأعمال كثيرة تفوق طاقتهم، وتثقل كاهلهم ماديا ومعنويا وتدفع بهم إلى الضغط النفسي والإفراط العصبي، فيثور المسلم نتيجة لذلك ويدفعه الى الاضرار بصومه بدلا من تزكيته، ولا يعني هذا التساهل أو الانفلات بل توزيع الاعمال بما يتفق مع طبيعة هذا الشهر، بالاضافة إلى ضرورة تخفيف حدة الازدحام والتجمعات البشرية باعتبارها من أسباب ضغط النفس والدفع بها في مرامي الانفعالات العصبية والتوترات النفسية
ويقول د فؤاد شاكر -أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة عين شمس بالقاهرة-: لقد كلفنا الله تعالى بطاعته، ولم يجعل ذلك فوق مستطاعنا، وجزاء الطاعة إنما يكون لنا وليس لله تعالى الذي لا تضره معصية ولا تنفعه طاعة، وحينما فرض علينا صيام شهر رمضان كان من أجل أن يهذب نفوسنا، ويكبح جماح شهواتنا وغرائزنا، ولهذا فإن من أهم مظاهر الصيام أن يكون المرء حسن الخلق وعفيف اللسان وكريم الطباع لا يعرف الانفعال والغضب طريقا إليه، فهو قادر على أن يملك نفسه ويضبط سلوكه فلا يعتدي ولا يظلم، وإن اعتدى عليه أو ظلم، فلم يفرض علينا ديننا أن نتعسف أو نفرط في معاملة الناس تحت مسمى 'إننا صائمون'، بل على العكس تماما فإذا كانت الفظاظة والغلظة منهي عنهما في كل أوقاتنا فالأجدر والأولى أن ينتهي عنهما المسلم في رمضان، والذي يهيىء للمسلم المجال لتقوية الإرادة، وتنمية العزيمة، وتقوية العلاقة بينه وبين ربه، وبينه وبين غيره من سائر البشر -مسلم أو غير مسلم- فضلا عن الترقي إلى مستوى التقوى والإحسان في شتى معاملاته الحياتية
أما الذين يتحججون بأن شدة الجوع أو الظمأ أو الامتناع عن المنبهات اثناء الصيام، وراء الانفعال وسرعة الغضب والعصبية في رمضان، مما يكون دافعا لسوء معاملة الناس، فهؤلاء واهمون في اعتقادهم هذا، وهذه السلوكيات المرفوضة المذمومة لا علاقة للصيام بها، ولا يمكن إطلاقا أن يكون الصيام دافعا لها، فالصيام إنما يرقق العواطف ويهذب الأخلاق ويسمو بالإنسان ليرتفع به من طينته وبشريته إلى سمو الملائكة، الذين لايعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فالصائم الحق بصومه المتكامل ماديا وأدبيا وروحيا، هو الذي يلتزم بحدود الله، ويتقيد بقيوده ويفتح على نفسه في صيامه أبواب الطاعة والعفو والمغفرة فيعيشها، ويغلق على نفسه مسالك المعصية والإثارة والغضب والانفعال والعصبية فلا يقترف منها شيئا
ويضيف د شاكر قائلا: وإن ما نراه في رمضان من مشاحنات وانفعالات يرتكبها الصائمون بحجة الصيام، هو أمر ينافي ما يغرسه الصيام في نفوس الصائمين، من أخلاقيات البر والتعاون وفضائل العفو والمغفرة وكظم الغيظ، فلا شأن للصيام بذلك، وإنما هي أمور شخصية لأشخاص ذوي نفوس ضعيفة، لا تستطيع أن تملك نفسها عند الغضب، ولعل مردود ذلك يعود إلى عدم تعود كثير من الناس على الصيام الذي يتخلق صاحبه بالأخلاق الرفيعة والقيم السامية والفضائل الجليلة، ويكون الصيام بالنسبة له عادة وليس عبادة، فيكتفي هؤلاء بالامتناع عن الطعام والشراب، وفي الواقع ليس لهم من صيامهم إلا الجوع والعطش، حيث يضيعون صيامهم فيما لا يفيد، ومردود ذلك عندنا عدم الصدق في أداء الطاعة وعدم الاخلاص فيها وعدم احتسابها لله، حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: 'من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه'، ومن ثم ندعو الصائمين إلى أن يجعلوا من الصيام فرصة لتهذيب أخلاقهم وترقيق عواطفهم ويحسنون معاملة الناس بما يتلائم مع الروحية والقدسية في هذا الشهر، من حيث الترفع عن الصغائر والتسامي بالسلوك والقول والفعل
كظم الغيـظ
ويؤكد د أحمد عمر هاشم -رئيس جامعة الأزهر السابق وعضو مجمع البحوث الإسلامية- أن للصيام حكمة وغاية لا حدود لها، فهي شاملة لكل ما من شأنه أن يرتقي ويسمو وينهض بحياة المسلم، ويحقق رفاهيته وخيريته في دنياه وآخرته، ومن هنا ارتبط الصيام بكل القيم والمبادىء الأخلاقية التي تشيع في المجتمع الخير والسعادة لجميع أفراده، ويقول: الصيام يربي في المسلم قوة التحمل وينمي لديه مقدرته على الصبر، وبهذا يستطيع أن يتغلب على غضبه ويهزم عصبيته ويروض نفسه على كظم الغيظ والعفو عن ما يثير غضبه وانفعاله، فالصائم الحقيقي الذي أدرك حكمة الصوم وغايته وفلسفته العظيمة، هو الذي يعرف كيف يكظم الغيظ، وكيف يعفو عن الناس، وكيف يترفع عن الفاحش من الأقوال والأفعال، وإن إمرؤ قاتله أو شاتمه قال لنفسه إني صائم، فلا يرد الإساءة بمثلها، وهذا الصائم عن دنيا الناس المتسامي عن الصغائر والكبائر والسفائف، المترفع عن إغواء الشياطين، هو الذي تسد عنه أبواب النار، وهو الذي تفتح له ابواب الجنة، وهو الذي يهيأ للهداية البشرية، وهو الذي يتنور قلبه بالبينات والهدى، وهو الذي يمنح قوة الفرق بين الحق والباطل وقوة التمييز بين الخير والشر
ويضيف د هاشم: هذا هو الصيام الحق، وهذا هو الصائم الحق، أما من يثور ويغضب ويتعصب لأسباب ما -تافهة أو قوية- بحجة أنه صائم، فهو لم يدرك فلسفة الصوم وحكمته، ولم تتحقق فيه ثمرة الصوم الذي من شأنه تقويم الخلق وتهذيب النفوس وتعديل السلوك، بل إنه ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، فكيف يغضب الصائم أو يثور لسبب ما والصيام يربي فيه التحمل والصبر، ويدفعه إلى التسامي والتحلي بمكارم الأخلاق في أشد المواقف وأصعب الظروف، فلا يبدأ بالإساءة ولا يرد الإساءة بمثلها، وإنما يقابل الإساءة بالعفو، ويرد الإساءة بكظم الغيظ وتفادي الصدام، وقد قال صفوة العلماء: إن مفتاح الهدى إنما هو الجوع بالصيام فمن أين اذن يأتي الانفعال والعصبية؟ إنهما لا شك آفات يحاربها الصيام، ومن ثم ليس من المعقول أن يدفع الصيام بالصائم إليهما، ومن يتعلل بذلك فهو خاطىء·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©