إعداد - عدنان عضيمة:
مع الانطلاقة الواثقة والنضوج المتزايد الذي سجلته صناعة التكنولوجيا الحيوية، التي أضحت قريبة جداً من أن تتكفل بتلبية الكثير من الحاجات المتنامية من الأدوية والعقاقير والأمصال وتطوير طرق وأساليب العلاج في مجالات طبية لم يحاول أحد البحث فيها من قبل، وبالرغم من كل هذا فإن 'الطب الشخصي' بقي مغلقاً تماماً، وهو الذي يقصد منه ابتكار الأساليب والطرق والمواد التي تسمح لكل إنسان أن يصبح طبيب نفسه من دون الحاجة للاستعانة بالأطباء المتخصصين·
وبعد انقضاء السنوات العجاف التي مرت بها أسهم القطاعات التكنولوجية التي أعقبت عام ،2000 استعاد قطاع الصناعات التكنوبيولوجية الثقة وأضاف إلى رصيده المزيد من الأموال والاستثمارات· وأصبحت أسهم الشركات العاملة في هذه القطاعات كشركتي 'آمجن' و'جينيتيك' تنافس تلك التي تمتلكها كبريات الشركات المتخصصة بالصناعات الصيدلانية، وأظهر تقرير أصدره مركز 'إرنست ويونج' في بداية العام الجاري أن التنافس الأكثر شراسة والبحث الأكبر عن الفرص السانحة في الأسواق كانت من العوامل التي أدت إلى عولمة الصناعة البيوتكنولوجية·
وفيما لا تزال الولايات المتحدة تتقدم على الأوروبيين بأشواط طويلة من حيث درجة النضوج التي بلغتها هذه الصناعة، فإن التنافس أصبح يزداد نمواً مع تحسن أداء الأسواق المالية الأوروبية بصفة عامة، وأطلقت الدول الآسيوية بدورها محاولات جادة لتحقيق التفوق في حقل التكنولوجيا البيولوجية حتى أصبحت في الشهور الأخيرة من المجالات المحبذة للاستثمار بالنسبة للحكومات عبر القارة كلها، وتقود هذه الشركات تلك المعنية ببحوث الخلايا الجذعية·
وورد في تقرير كتبته ليديا آديتونجي في الفايننشيال تايمز أنه وفقاً لما تشير إليه دراسة أنجزها مركز 'إرنست ويونغ' فلقد سجلت شركات صناعة التكنولوجيا البيولوجية في العالم نمواً بلغ 17 بالمئة في عام 2004 حتى وصلت مجمل عوائدها في عام 2004 إلى 54,6 مليار دولار، يعود ثلاثة أرباعها إلى الشركات الأميركية وحدها· وأشارت تقارير تحليلية حديثة إلى أن رأس المال الإجمالي لهذه الصناعة ارتفع بنحو 3,6 مليار دولار في أميركا مقابل 1,4 مليار دولار في أوروبا خلال العام الماضي وحده· وكانت من ثمرات هذه التطورات ظهور 20 دواء بيوتكنولوجياً جديداً في الولايات المتحدة وتسعة في أوروبا·
ويطرح هذا التطور السؤال المهم: هل يمكن القول إن صناعة التكنولوجيا البيولوجية بدأت تشق لنفسها طريقاً جديداً وشرعت بطرح ثمارها اليانعة؟·
خلال السنتين الماضيتين تفوقت الأجيال الجديدة من الأدوية التي أنتجتها الشركات البيوتكنولوجية على تلك التي أنتجتها شركات الصناعات الصيدلانية في سرعة الفوز بتراخيص التداول في الأسواق من إدارة الغذاء والدواء في الولايات المتحدة· ويبدو من الواضح الآن أن هذا التوجه سوف يتعزز بقوة في المستقبل· وكان من أهم العقاقير التي ظهرت في هذا الإطار عقار 'آفاستين' الذي أنتجته شركة 'جينيتيك' وتم اعتماده من قبل إدارة الغذاء والدواء عام 2004 باعتباره دواء لمعالجة سرطان القولون وحيث توقع بعض المحللين أن يحقق مبيعات تصل إلى 3,2 مليار دولار بحلول عام ·2007
وارتفعت مبيعات 'آفاستين' خلال الربع الثاني من هذا العام بمعدل 85 بالمئة بالمقارنة مع الفترة ذاتها من عام ·2004 وأصبحت شركات الصناعة البيوتكنولوجية تدعم التطورات المتواصلة التي تشهدها المختبرات والشركات الكبرى العاملة في الصناعات الصيدلانية· وكان من الطبيعي بعد ذلك أن تطلب الشركات الصيدلانية من المجموعات البيوتقنية مساعدتها في استنباط أجيال جديدة من الأدوية الناجعة بعد أن أصاب مختبراتها الشيء الكثير من القحط والافتقاد للقدرة على تركيب أدوية جديدة· وأصبحت هذه الشركات تأمل في الحصول على تراخيص جديدة لتداول منتوجات التكنولوجيا البيولوجية أو شراء الشركات ذاتها· ويقول جو أندرسون من مجموعة 'آبينجوورث': 'لقد أبدت الشركات الصيدلانية شهية مفرطة لابتلاع الشركات البيوتكنولوجية'· ولقد شهد العام الماضي شراء شركة 'روش' الشهيرة لشركة 'جليس آرت بايوتكنولوجي' السويسرية بمبلغ 182 مليون دولار· وتسعى شركة 'بفايزر' التي يقودها طاقم إداري من مجموعة 'آيتيك' البيوتكنولوجية إلى شراء أصول شركة 'ماكوجين' التي تجري بحوثاً واعدة لعلاج البثور الجلدية· وسرعان ما بيعت شركة 'آيتيك' لشركة 'أو إس آي' بمبلغ 935 مليون دولار·
وفيما تظهر هذه الصفقات بوضوح أن الشركات الصيدلانية أصبحت ترى فرصتها في امتلاك مجموعات الشركات البيوتكنولوجية فإن السؤال الذي يبقى مطروحاً: ما طبيعة العلاقة بين هذين الطرفين· من المعلوم أن الشركات البيوتقنية تسوّق منتوجاتها في الشركات الصيدلانية أكثر مما تسوقها بالطريقة المباشرة للصيدليات التي تتعامل مع المرضى مباشرة إلا أن القليل فحسب من تلك الشركات كانت تؤدي هذا العمل بالطريقة المناسبة· ومن ذلك مثلاً أن شركة 'بيوتا' البيوتقنية أعلنت عن أن الشركة الصيدلانية التي تسوق لها عقاراً يدعى 'ريلينزا' وهو مضاد لداء الأنفلونزا، قد فشلت في حملاتها للترويج الكافي له·
ووجدت شركة 'بيوإمباكت' للبحوث والدراسات أن أسواق الأدوية والعقاقير أصبحت عامرة بنحو 190 دواءً جديداً مستنبطاً بالطرق والوسائل التقنية البيولوجية· ولا تزال شركات التكنولوجيا البيولوجية الأوروبية تواصل اللحاق ببطء بنظيراتها الأميركية من حيث أنواع المنتوجات الدوائية الجديدة التي يتم استنباطها· وما زالت الفجوة التكنولوجية القائمة بين الطرفين تزداد اتساعاً·
تسابق الريادة
وفي مختبر لا يمكن أن يلفت انتباه أحد، ويقع جنوبي مدينة ميونيخ الألمانية وهو عامر بالأجهزة والمعدات المعقدة والكثير من المركبات والمواد الكيميائية، ينشغل عدد من الخبراء في اكتشاف عقار جديد· وتعود ملكية المختبر لشركة 'جي بي سي بايوتيك' ،PC Biotechا التي تسعى بدأب لأن تكون السباقة لإنتاج عقار 'ساترابلاتين' ، Satraplatine وهو دواء جديد لعلاج سرطان البروستاتا يقول الخبراء إنه سيحقق مبيعات تربو على 500 مليون دولار سنوياً·
وإذا ما تم طرح هذا الدواء الذي يظن أن إطلاقه في الأسواق سيتم عام ،2007 فسوف يمثل ذلك حدثاً بارزاً بالنسبة للصناعة التكنولوجية البيولوجية في ألمانيا برمتها·
وأصبحت هذه الشركة المسجلة ضمن مؤشر 'ناسداك' للأسهم التكنولوجية، تسعى للانتشار إلى الضفة الأخرى من الأطلسي لتغزو الأسواق الأميركية في عقر دارها في إطار استراتيجية طموحة للنمو· ولقد أنشأت مؤخراً مركبين للبحوث والإنتاج في الولايات المتحدة لغرض الاستفادة من المستثمرين الكثيرين هناك·
ويقول بيرند سايزينجير المدير التنفيذي للشركة 'سوف تواصل الولايات المتحدة لعب دورها كعازف لا مثيل له على آلة الكمان في أوركسترا الصناعات الصيدلانية· وسوف تستمر في الحفاظ على المقدمة خلال السنوات الطويلة المقبلة'·
وقبل نحو عشر سنوات، أعلنت ألمانيا عن مخطط طموح لبناء صناعة بيوتقنية انطلاقاً من الصفر تقريباً، ومن المعلوم في هذا الصدد أن هذه الصناعة كانت محكومة بجملة من المحظورات تعود من حيث تاريخها إلى نهاية الحرب العالمية الثانية إلا أنها تعرضت لبعض التغيير عام 1993 عندما تمّ سن قانون يسمح بمزاولة بحوث الهندسة الوراثية· وشهد عام 1995 إطلاق جملة من الإجراءات والخطط التي ترمي إلى تحقيق قفزات نوعية سريعة في مجال تطوير الصناعة البيوتقنية في ألمانيا·
وبدأت ألمانيا الآن تظهر وكأنها تحثّ الخطى لأن تصبح الرائدة الأوروبية في مجال التكنولوجيا البيولوجية· ويقول سيمون موروني المدير التنفيذي لشركة 'مورفوزيس' التي تعد واحدة من كبريات شركات التكنولوجيا البيولوجية: 'أضحت لدينا العديد من المؤشرات التي تؤكد أن التكنولوجيا البيولوجية سوف تحظى بالاهتمام الأكبر في ألمانيا'· وكان مستثمرون مبتدئون من ذوي الباع القصير في أصول ومبادىء الاستثمار اختاروا التعامل مع الشركات التكنولوجية البيولوجية في الوقت الذي كان خلاله هذا القطاع الاستثماري يدار من قبل أناس متوسطي الخبرة· وبعد موجة مدّ قصيرة، جاءت صدمة الأسواق في عام 2000 لتقضي على كل ما تحقق من تطور في هذا الميدان وتبخرت رؤوس الأموال الموظفة في القطاع·
كما بدأت العديد من شركات التكنولوجيا البيولوجية الجديدة تستعين بخبراء من شركات الصناعات الصيدلانية إلا أنها سرعان ما اكتشفت أن هذا المزج بين التوجهين لا يمكن أن يستمر أبداً·
محاولات صينية
يقول تقرير آخر نشرته الفايننشيال تايمز أنه وفقاً لمنطق واستراتيجيات العولمة، يفترض بالدول النامية أن تهتم بالاستفادة من النشاطات ذات نسبة العمالة التشغيلية العالية كالصناعة، وترك كل الفرص السانحة للعالم المتطور حتى يتفرغ لإجراء البحوث المتعلقة بالصناعات المتقدمة التي تتطلب رؤوس الأموال الضخمة· وجاء في تقرير كتبه جيوف ديير في الفايننشيال تايمز أن الصين ما فتئت تسعى على نحو يثير الدهشة لأن تتحول إلى قوة جديدة في مجال التصنيع على المستوى العالمي· وبما أن التكنولوجيا البيولوجية تعد واحدة من ساحات استعراض القدرات التطورية للبلدان، فلقد أبدت الحكومة الصينية اهتماماً كبيراً في مجال تطويرها بمجهوداتها الذاتية حتى قفز معدل الإنفاق في مجالات البحث والتطوير في هذا الميدان بنحو ثلاثة أمثال خلال السنوات الثلاث الماضية·
وسجل الصينيون مآثر عظيمة في مجال التجارب المتعلقة بالخلايا الجذعية بما فيها استيلاد الخلايا الجذعية الجنينية· وبالرغم من هذا فلقد أضاف العلماء الصينيون الذين أداروا بحوث تخرجهم وعملوا بعد ذلك في القطاع الصناعي الخاص بالولايات المتحدة، الكثير من الخبرات الميدانية المتقدمة إلى ما يمتلكه المئات من العلماء الجدد الذين يتخرجون كل عام من الجامعات الصينية·
ولكن، وبالرغم من هذا العدد الضخم من العلماء الذين تعج بهم الصين، إلا أن الشركات الصينية لم تسجل إلا القليل من المآثر في هذا الميدان الحساس· وللصين باع طويل وعريض في مجال الهندسة، ولكن علماء الحياة في الكليات الصينية ليسوا على درجة عالية من القوة في معظم الأحيان· والقليل جداً من الجامعات أصبحت تمتلك الطرق والوسائل للاستفادة من الاكتشافات الإبداعية ضمن الشركات الخاصة· ويقول شينج المدير المالي لشركة 'بايو' الصينية في تعليقه على هذه الطروحات: 'إنه لمن الطبيعي أن تتجه دولة نامية كالصين للاهتمام في الحقول التي لا تتطلب المقادير الكبيرة من البحوث الأساسية بقدر ما تتطلب التطبيقات العملية للاكتشافات المتوفرة أصلاً'· ومن المآثر الجديدة التي تضاف إلى التطور الصيني في مجال التكنولوجيا البيولوجية هي مجموعة 'فوكسي فارماتيك' في مدينة شانغهاي التي تتكفل بتقديم الخدمات والصناعات الكيميائية لشركات صناعة الأدوية والعقاقير· ومن المعروف أن البحوث الدوائية تتطلب استخدام الأجهزة المعقدة وذات الثمن المرتفع بالإضافة لطاقم من العلماء الذين يحتكمون إلى درجات عالية من الخبرة·
وهناك حقل من التكنولوجيا البيولوجية يمكن للصينيين أن ينافسوا فيه على أعلى المستويات وهو مجال المحاصيل المهندسة وراثياً· وعندما يتحدث المرء عن هذا التطور المشهود للصينيين فسوف يلاحظ أن الأرقام التي سيتعامل معها ليست كبيرة· فلقد أنفقت الصين نحو 121 مليون دولار على بحوث زراعة المحاصيل المهندسة وراثياً، ولكنها أصبحت دولة رائدة في هذا المجال دون منازع· ومن إنجازات الصينيين في هذا الميدان، إنتاج نوع من القطن المهندس وراثياً يمكن لبذوره أن تزود النبتة بالبروتين الذي تنتزعه من المتعضيات الحية التي تعيش في التربة· وهذا البروتين يقي النبات من الإصابة بالعديد من الأمراض· وأصبحت هذه البذرة التي تم استنباطها لأول مرة في أعوام التسعينات تستخدم بنسبة 65 بالمئة في إنتاج محصول القطن في الصين برمتها· وبناء على ما يقوله علماء يعملون في القطاعات الزراعية الحكومية فإن هذه البذرة قد أدت إلى تخفيض الحاجة لاستخدام المبيدات الحشرية بنسبة 80 بالمئة· ويقول جوكون هوانغ مدير مركز السياسة الزراعية في الصين: 'لقد أثبتنا للعالم أن الإبداع في هذه البحوث لا يقتصر على الدول الغربية وحدها'·