غسان مكحل :
كان قرار مجلس الامن الدولي رقم 1636 أقل سوءا بالنسبة الى سوريا، مما أرادت الولايات المتحدة الاميركية وبريطانيا وفرنسا، لكنه بالمقابل كان خيبة امل بالنسبة الى دمشق التي أملت ان يستخدم الصديق الروسي او الصديق الصيني حق النقد الفيتو، اوعلى الاقل ان يعترض اي من الاعضاء على القرار الذي يضع سوريا تحت امتحان مضن، وغير مضمون النتائج على مدى الاسابيع الستة المقبلة·
بعد ذلك هل اصبح مصير سوريا رهن بكلمة من القاضي الالماني ديتليف ميليس، الذي بات في يده وحده ان يقول ما اذا كانت سوريا تجاوبت مع القرار الدولي وتعاونت بالكامل مع القرار 1636؟·
الجانب الروسي اعتبر ان في القرار ايجابيات متعددة بالنسبة للسوريين، كونه استبعد التهديد بفرض عقوبات ضدهم بشكل آلي، وكونه استبعد محاولات ربط دمشق بالارهاب· وهو امر يبدو صحيحا بالمقارنة مع الصيغة التي ارادتها الدول الغربية الثلاث والتي كانت تضمن فرض عقوبات آلية على سوريا في حال جرى الاستنتاج بأنها لم تتعاون بالكامل مع التحقيق· تلك الصيغة التي تضمنت فقرات مسيسة تصور سوريا وكأنها بؤرة الارهاب في المنطقة والعقبة الاساسية امام السلام فيها·
الموقف الروسي
إلا ان ما فعله وزير الخارجية الروسي في اجتماع مجلس الامن الدولي، الذي ناقش تقرير ميليس، لا يمكن اعتباره بالشيء الكثير، وغالب الظن انه فعله لاسباب داخلية روسية، لا لاسباب تتعلق بالعلاقات السياسية الوثيقة مع دمشق الممتدة الى عقود طويلة خلت·
ولا بد من الاشارة هنا الى ان سوريا حافظت على صداقة وثيقة مع موسكو في كل الظروف منذ الخمسينات، وقدمت دائما كافة التسهيلات للروس في كل المجالات، حتى في المجال العسكري··وكانت دمشق تأمل ان تحول هذه الصداقة الممتدة دون إنجرار الروس الى ما تريده اميركا وفرنسا وبريطانيا من سوريا·
ومع المسألة تتعلق ظاهريا بجريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الاسبق رفيق الحريري، الا ان الواضح ان الدول الغربية الثلاث وبالتحديد الولايات المتحدة، تعمل على الاستفادة من الشبهات الموجهة الى مسؤولين سوريين في جريمة الاغتيال من اجل تحقيق اهداف سياسية وامنية اخرى تتعلق بالعراق وبفلسطين ولبنان، وايضا من اجل اعادة تركيب الوضع الداخلي في سوريا بما يتناسب مع السياسات والتوجهات الاميركية·
ولا بد هنا من الاشارة الى ان موسكو اتخذت قرارا استراتيجيا منذ ايام الزعيم السوفييتي الاخير ميخائيل غورباتشوف، بتجنب اي خلاف جدي مع الولايات المتحدة، من اجل اي طرف آخر وبالتحديد الاطراف التي كانت تعتبر نفسها حليفة لموسكو في ايام الحرب الباردة، طبعا مع استثناءات قليلة، ليست سوريا او اي من الدول العربية من ضمنها·
وربما كانت تجربة موسكو مع القضية العراقية ابلغ مثال على ذلك، اذ ان موسكو وبرغم اعتراضها الظاهري على الحرب الا انها تصرفت في النهاية بما لا يشكل عقبة رئيسية امام السياسة الاميركية تجاه العراق، وقامت بذلك برغم العلاقات الوثيقة مع العراق في مختلف المجالات وبرغم عرض العراقيين تسليم موسكو غالبية القطاع النفطي العراقي وبرغم الغضب العارم من جانب غالبية الشعب الروسي تجاه السياسة الاميركية في العراق·
ويبدو ان الموقف الروسي الاخير في مجلس الامن يستهدف الظهور بمظهر المختلف عن الولايات المتحدة، لكن بالمقابل غير المعترض مبدئيا على النهج الذي تنهجه اميركا وفرنسا وبريطانيا تجاه سوريا·
ومع ان روسيا اعترضت على فرض عقوبات آلية الا انها وافقت على نهج وروح النص الذي يمهد لاحقا لفرض عقوبات، كون القرار اتخذ على اساس البند السابع من ميثاق الامم المتحدة المتعلق بآليات 'التحرك في حال وجود تهديد ضد السلام وخرق للسلام وعمل عدواني·' وهو نهج قد يؤدي الى فرض عقوبات اقتصادية ودبلوماسية وحتى التحرك عسكريا ضد دمشق في حال اتهمت بعدم التعاون الكامل·
خطورة القرار ان الموافقة جرت عليه بالاجماع، برغم انه يحمل ضمنيا اتهاما لدمشق او لمسؤولين فيها بالتورط في جريمة اغتيال الحريري· ووجود روسيا والصين ودولة عربية هي الجزائر ضمن المؤيدين يعني ان هناك اجماعا دوليا الى جانب تقرير ميليس وما تضمنه من اتهامات، واجماعا دوليا بأن دمشق لم تتعاون مع لجنة التحقيق الدولية·
وبالتالي فإن احتمال توصل لجنة التحقيق الدولية الى استنتاج بعد ستة اسابيع بأن سوريا لم تتعاون بالكامل ،يمكن ان يزيد من قوة الموقف الغربي، ويجعل من العقوبات امرا لا محالة، ويضع سوريا في آلية الحصار الدولي، على نسق ما شهده العراق·
ولا بد هنا من القول ان المنطق الروسي بأن موسكو اعطت فرصة لدمشق- وهي فرصة ضئيلة للغاية (شهر ونصف الشهر)-يستهدف الظهور امام الرأي العام الروسي، بمظهر الصديق الذي لم يتخل عن اصدقائه لصالح السياسات الاميركية، ومن المعروف ان الرأي العام الروسي ينظر بعين الشك تجاه السياسات الاميركية ونواياها تجاه دول العالم الثالث وبالتحديد الدول العربية، اي ان الموقف الروسي يستهدف غير حفظ ماء الوجه على الصعيد الدولي، تبرير مواقفه اللاحقة المتوقعة (بشأن سوريا) على الصعيد الداخلي روسيا·
هل بدأ الحصار؟
ومع ان قرار مجلس الامن الدولي لم يتضمن فرض عقوبات او التهديد بعقوبات، الا انه اظهر اجماعا دوليا، لم يظهر حتى في القرارات بحق العراق، في سنوات ما قبل الحرب العراقية، وهو ما يشكل مصدر قلق حقيقي لسوريا التي شعرت فعليا بعزلتها هذه المرة وبالاخص غندما اعتبرت القرار الدولي سلبيا للغاية وابدت قلقها من صدوره بالاجماع·
وما يزيد من القلق السوري ان ايا من دول العالم لم تبد اي تحفظ على تقرير لجنة التحقيق او على قرار مجلس الامن الدولي الاخير الذي يعكس قبولا ضمنيا بمضمون التحقيق·
ويظهر ما رشح عن نتائج التحرك الدبلوماسي السوري الاخير على الصعيد العربي ومن ردود فعل الجامعة العربية وعدد من الدول العربية على نتائج تقرير ميليس ان سوريا لم تنجح في تحقيق ما ارادته عربيا على الصعيد الدبلوماسي· حتى على الصعيد الشعبي العربي فان ردود الفعل كانت شبه معدومة ولا تزيد عن بعض التعليقات الصحافية والبيانات التي تشكك بالنوايا الاميركية، ولا تصل في غالبيتها الى حد التضامن مع سوريا·
ويبدو ان دمشق تشعر بالعجز عن الحصول على اي دعم من الجامعة العربية او من النجاح في الدعوة الى قمة عربية للتضامن معها، ويظهر القرار الدولي وطبيعة ردود الفعل ان الحصار على سوريا قد بدأ بالفعل، على الاقل على الصعيدين الدبلوماسي والسياسي· وفي هذا السياق يبدو الهامش الذي يمكن ان تتحرك فيه دمشق ضيقا للغاية او حتى معدوم الوجود· وهو ما يضع دمشق امام احد احتمالين اما الاستسلام الكامل لشروط الولايات المتحدة الاميركية او التسليم الكامل بقوانين اللعبة بحسب ما يريد القاضي ميليس او التمرد وهذا الاحتمال الاخير غير مطروح بالمرة في ظل الظروف الدولية والاقليمية، ويصعب تصوره·
فاستمرار سوريا في التعامل مع ميليس بالطريقة السابقة نفسها، اي الحذر والمناورة، يعني اضاعتها فرصة الاسابيع الستة، وهي فترة بسيطة المقصود منها ان تفشل سوريا في التعامل مع لجنة التحقيق الدولية·
إعلان دمشق
بالمقابل فإن التسليم لشروط ميليس يعني فتح كل الملفات والاسرار امامه سواء التي تتعلق بجريمة اغتيال الحريري، اذا كانت موجودة، او التي تتعلق بكل جوانب السياسات السورية والامن السوري· وهو ما يجعل من سوريا مكشوفة بالكامل ومستسلمة بالكامل·
وربما كان الخيار الانسب السعي الى استرضاء الاميركيين، عبر اظهار الرغبة في التعاون الى اقصى الحدود في ملفات اساسية مثل الملف العراقي، الذي تشعر سوريا ان الولايات المتحدة في حاجة الى مساعدتها فيه· وغالب الظن ان الولايات المتحدة ستوافق على مثل هذا التوجه لكنها لن تكتفي به او بغيره وستواصل الضغط من اجل الحصول على كل شيء من السوريين وفي كل المجالات والاتجاهات·
يقول جون الترمان رئيس برامج الشرق الاوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية في واشنطن ان اميركا لا تريد حاليا اسقاط الحكم في سوريا وان 'بشار الاسد الضعيف الخائف (في السلطة) سيجعله اكثر تعاونا'، ويرى اصحاب هذا الرأي ان الولايات المتحدة التي اكتسبت خبرة في التعامل مع العراق، كانت اكثر حذرا في التعامل مع سوريا، وهذا ما حملها على تجنب الاصرار على العقوبات في المرحلة الحالية وتفضيل الاجماع الدولي، ومن ثم الانتظار لشهر ونصف الشهر، تكون خلالها دمشق تحت الضغط الشديد للتجاوب·
وقد اصرت الولايات المتحدة ان يكون اجتماع مجلس الامن على مستوى وزراء الخارجية، من اجل الحصول على اقصى دعم ممكن في التحرك لاجبار سوريا على القبول بالشروط المطلوبة· الا ان كل هذه تبدو مجرد تحليلات متفائلة خصوصا وان التقرير الدولي والتحرك الغربي في الامم المتحدة حشرا الحكم السوري في الزاوية ونزعوا منه اي خيارات جدية، بالاخص عندما اتهم تحقيق ميليس كبار المسؤولين في سوريا، وتضامن مجلس الامن معه من دون تحفظ· وهذا ما يثير القلق بأن المسار مع سوريا ربما كان اسرع حتى من المسار مع العراق الذي استمر لسنوات عديدة· وربما كان هذا ما جعل اطرافا في المعارضة السورية، بينها قوى كردية تحاول التمثل بتجربة اكراد العراق، تتحرك ، تحت اسم 'اعلان دمشق' محملة الحكومة السورية المسؤولية عما وصلت اليه الاوضاع السورية وبالتحديد على الصعيدين الاقليمي والدولي·