الأحد 3 مايو 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

الساسة يأكلون الحصرم والصحافيون يضرسون

27 نوفمبر 2005

نصر الدين العياضي:
يشعر الصحافيون الأجانب المتوجهون إلى 'الكوت دي فوار' بقلق شديد يصعب إخفاؤه، بمجرد الوصول إلى مطار 'أبيدجان'· إن الصبر والحيلة النابعة من التجارب المتراكمة في مجال تغطية النزاعات المسلحة وحدهما القادران على تمكين الصحفي الأجنبي من الدخول إلى هذا البلد الأفريقي والانفلات من قبضة الشرطة الموالية لرئيس الدولة 'لوران غبغبو'· فمجرد أن تطأ أقدام الصحافي الأجنبي أرضية مطار 'ابيدجان' تستوقفه الشرطة بعض الوقت قد يطول أو يقصر، حسب جنسيته والمؤسسة التي يشتغل فيها، والبلد القادم منه، والدولة التي يقيم فيها، ومدى مقدرته على الإجابة عن الأسئلة التي تطرح عليه والمرتبطة بالمهنة والمؤسسة الإعلامية التي يشتغل فيها، وموقفه من النزاع المسلح في هذه الدولة· وتمتد الأسئلة إلى معرفة أسماء الأشخاص القاطنين 'بالكوت دي فوار' الذين ينوي الاتصال بهم· قد يبتسم من تعود على هذه الأسئلة في بعض المطارات الدولية، أو من يعتقد أن هذا الإجراء ضروري وعادي في دولة يتقاسمها النزاع المسلح منذ 19سبتمبر ·2002
اختطاف وقتل
لكن ما هو غير عادي يتمثل في حذر الناس من كل صحافي أجنبي قادم لتغطية أحداث العنف في هذا البلد الأفريقي· فالأشخاص غير المتورطين في عمليات الاقتتال يتجنبونه حتى وإن أراد أن يطرح عليهم أسئلة تتعلق بالطريق المؤدية إلى هذا الفندق، أو هذه المدينة، أو هذه المؤسسة· والسبب في ذلك يعود إلى جو الخوف من الأجنبي الذي يخيم على البلد، من جهة، ولأن رجال الشرطة يتلقفون كل من يتحدث مع الصحافي الأجنبي، خاصة الفرنسي· فمن الممكن أن تحقق الشرطة مع التاجر المتجول الذي تحدث مع الصحافي الأجنبي لبعض الدقائق، والسائق الذي نقله إلى مكان ما· ومن المحتمل أن يتحول التحقيق إلى اتهام· وهو الاتهام ذاته الذي يوجه لجل الصحافيين الأجانب لأنهم لم يتمكنوا من تحقيق رضا الطرفين المتنازعين· فكلاهما يتهمه بمناصرة الطرف الآخر· ليت الأمر توقف عند حد الاتهام فقط·
لقد دفع مراسل إذاعة فرنسا الدولية 'جون هيلين' حياته ثمنا لأداء مهمته في 'كوت دي فوار'· لقد أطلق عليه شرطي عدة رصاصات في وضح النهار وأمام الملأ في شارع بأبيدجان في شهر أكتوبر 2003 لأنه يرى أنه يشتغل في مؤسسة تمثل 'مكبر صوت فرنسا'· وبعد هذا الحادث كفت هذه الإذاعة عن إرسال مراسلين لها إلى هذا البلد الإفريقي·
وقبل هذا الحادث بثمانية أشهر، عثر على جثة مراسل وكالة الأنباء 'الكوت دي فوارية' 'كلوي غنزرو' مقتولا في المنطقة الغربية من البلاد·
وفي14 أبريل سنة 2004 ، اختطف الصحافي الكندي المنحدر من أصول فرنسية 'غي أندريه كيفر' في أبيدجان التي وصلها قبل سنتين لتغطية النزاع المسلح لصالح إذاعة 'بي بي سي'· وقبله بأربعة أشهر تم اختطاف الصحافي المستقل الذي يشتغل كمسؤول فرعي لمنظمة الصليب الأحمر الدولي· أمام إعدام الصحافيين واختطافهم، تبقى حالات التهديد اللفظي، والاعتداء الجسدي على الصحافيين الأجانب، وهم يؤدون واجبهم المهني 'ألطف' سلوك في بلد استدركته هستريا الكراهية للأجنبي·
تدهور
منذ اندلاع حركة التمرد العسكري يوم 19 سبتمبر 2002 ، والوضع الأمني في البلاد في تدهور مستمر، والصحافة ورجالها يدفعون ثمنه أكثر من بقية الفئات·
هكذا، شكل الوضع في 'الكوت دي فوار' سابقة تاريخية في القانون الدولي، إذ صادق مجلس الأمن الدولي بالإجماع يوم 15 نوفمبر 2004 على توصية تمنح للسلطات 'الكوت دي فوارية' مهلة شهر لإسكات الأصوات المحرضة على الكراهية والعنف وعدم التسامح· وقد وجه الاتحاد الأوروبي، ومنظمة العفو الدولية وصحافيون بلا حدود النداء ذاته إلى رئيس الدولة 'لوران غبغو'، وحكومة الائتلاف الوطني التي نصبت سنة ·2003 لكن لم يتحرك أي طرف لاتخاذ الإجراءات الضرورية لصيانة حرية الصحافة وضمان أمن الصحافيين·
إن المتمردين الذين احتلوا بعض المدن في الشمال منذ سبتمبر 2002 وأطلقوا على حركتهم تسمية 'القوى الجديدة'، حاولوا أن يتحكموا في وسائل الإعلام التي تبث أو تصدر في مناطق نفوذهم وأن تشوش البث التلفزيوني المركزي وتخرب الصحف التي تعتقد أنها موالية لرئيس البلاد·
ولا تحمل المنظمات المذكورة مسؤولية المساس الخطير بحرية الصحافة للرئيس الدولة وحركة التمرد في شمال البلاد فقط، بل ترى أن للصحافة المحلية دورا في إذكاء نار الفتنة وتأليب الحقد على الصحافيين ورجال الإعلام خاصة مراسلي وسائل الإعلام الأجنبية· فالصحف الموالية للرئيس الحاكم، مثل: 'الناسيونال' (الوطني)، و'ليو دو بوبل' (عين الشعب)، و'نهجنا' (نوتر فوا) و'أصداء الصباح' (كو دو ماتان) و'الزمن' (لوتون)، وغيرها، لم تكف عن نشر المواد الإعلامية التي تصب الزيت على نار الفتنة وتصب جم حقدها على الصحافة الدولية التي تعتبرها 'عدو كودي فوار' ومتعاطفة مع المتمردين الذين يسعون إلى تخريب البلد·
عسكرة الصحافة
هكذا زاغت الصحف 'الكودي فوارية' عن وظيفتها، وتحولت من صحف إلى أحزاب سياسية متقاتلة تقوم بما يقوم به الجنود في صف القوى الحكومية التي تقاتل متمردي الشمال، بأشكال أخرى أكثر خطورة·
لقد توسم الصحافيون الأجانب خيرا في توصل الأطراف المتنازعة إلى إبرام الاتفاق الذي تضمنته اتفاقية 'مركوسي' (فرنسا) يوم 26 يناير ،2003 والتي نددت، بقوة، بوسائل الإعلام 'الكوت دي فوارية' التي تحرض على الحقد ومعاداة الأجانب، خاصة بعد أن قام رئيس اللجنة الأممية المكلفة بمتابعة تنفيذ الاتفاق، وممثل الأمم المتحدة 'ألبار تفودي جيري'، بعد أسابيع قليلة من هذا التاريخ، بتحرير أمواج إذاعة فرنسا الدولية، وأوروبا 1 الفرنسية، وإذاعة 'بي· بي· سي' التي كان استقبالها في 'كوت دي فوار' يتعرض للتشويش منذ سبتمبر ·2002
يتساءل بعض الملاحظين الدوليين لماذا ينفرد الصحافيون الفرنسيون أو العاملون في وسائل الإعلام الفرنسية بالحقد والكراهية من قبل القوات المتناحرة في 'كوت دي فوار' أكثر من غيرهم من الصحافيين؟ السبب لا يختصر في الماضي التاريخي لفرنسا في هذا البلد الأفريقي· فوسائل الإعلام الفرنسية ورجالاتها كانوا يحظون بالاحترام والتقدير قبل موت الرئيس الإيفوراي السابق 'فيلكس هوفويت بوانييه' الذي حكم البلاد بيد من حديد أكثر من ثلاثين سنة· ولم تتهم رسميا، على الأقل، بأنها تمارس وصية استعمارية على هذا البلد· وقد كانت فرنسا تقدم الدعم الضروري للنظام القائم وتستقبل في ذات الوقت المعارضين للنظام 'الإيفواري' فوق ترابها· فالرئيس الحالي لكوت دي فوار 'لوران غبغبو'، على سبيل المثال، كان لاجئا سياسيا في فرنسا منذ الثمانينات إلى غاية عودته من منفاه سنة ،1988 ليشارك في أول انتخابات رئاسية حرة في البلد· لقد كان المرشح الوحيد ضد رئيس البلاد الراحل 'فيلكس هوفويت بوانييه'، ولم يحصد سوى 18% من نسبة أصوات الناخبين· لكن يبدو أن وسائل الإعلام الفرنسية ورجالاتها أصبحت تحاسب على التصرفات السياسية والعسكرية التي اتخذتها الدولة الفرنسية في 'الكوت ديفوار'·
أصل العداء
شن المتمردون من القوات المسلحة هجوما عسكريا على السلطة المركزية، ولم يتمكنوا من إسقاط عاصمة الكودي فوار ابيدجان في قبضتهم، بل سيطروا على المدينتين كورهوغو'، و'بواكي' الواقعتين شمال البلاد· وقد عبر المتمردون بهذا العمل عن احتجاجهم على 'النزعة الإيفوارية' المعادية للأجانب التي انتهجتها حكومة الرئيس 'لوران غبغبو'·
وخوفا من تطور الأوضاع تدخلت القوات الفرنسية المسلحة للفصل بين القوتين المتقاتلين: القوات الحكومية التي تسيطر على مدن الجنوب، والقوات المتمردة المتمركزة في مدن الشمال· بعد أشهر من الاقتتال استطاعت فرنسا ومن ورائها المجتمع الدولي أن تجمع الطرفين المتنازعين ليبرما الاتفاق الذي أطلق عليه 'معاهدة مركوسي' يوم 26 يناير 2003 · لقد نصت هذه المعاهدة على تمديد فترة رئاسة 'لوران غبغبو' لسنة كاملة، وتشكيل حكومة ائتلاف وطني تترأسها شخصية 'إيفوارية' مستقلة، وتجريد المعارضة من سلاحها· لقد قبل الطرفان المتقاتلان هذا الاتفاق على مضض، واعتبراه دواء مر للمرض 'الإيفواري'·
في مطلع الأسبوع الأول من شهر نوفمبر 2004 قصف الرئيس 'الإيفواري' المدينتين المتمردتين جوا، مما اضطر فرنسا يوم 5 نوفمبر إلى رفع طلب إلى مجلس الأمن لمناشدته بتوسيع صلاحيات قوات حفظ الأمن الأممية لتتمكن من استخدام القوة العسكرية للقيام بدورها· وفي اليوم التالي قامت القوات الجوية 'الإيفوراية' بقصف المناطق المنزوعة السلاح فأصبت مجموعة من المدنيين وقتلت 9 جنود فرنسيين· فلم يتأخر الرد الفرنسي السريع الذي قصف طائرات سلاح الجو 'الكوت دي فواري' التي اشتريت من إسرائيل· فاندلعت المظاهرات الصاخبة في عاصمة البلد وانتشر نهب ممتلكات الأجانب وتدميرها، خاصة تلك التي تعود للفرنسيين· في ظل هذا الجو ازداد العداء للصحافيين الفرنسيين·
تساؤل
قد تتساءل وسائل الإعلام الفرنسية، باندهاش، كيف تشن 'كوت دي فوار'، التي يشكل الأجانب أكثر من ربع سكانه، حملة هوجاء على الأجانب الذين نزحوا إليها في الستينيات من القرن الماضي بحثا عن باب الرزق في هذه الدولة التي تعد أول بلد مصدر لمادة 'الكاكاو' في العالــــــم؟ وكيــــف يمكـــــن أن تستهدف ممتلكات الفرنسيين الذين يساهمون في ميزانية الدولة بنسبة 54% نتيجة ما يدفعونه من ضرائب؟
ومن جهتها تحاول السلطات 'الإيفوارية' أن تبرر العداء لوسائل الإعلام الفرنسية بالقول إنها تسطح النزاع الدائر في كودي فوار وتعطي له مسحة عرقية ودينية، إذ تراه يجري بين الشمال المسلم ضد الجنوب المسيحي؟ وتعتقد المعارضة المسلحة الاعتقاد ذاته، لكنها تعبر عنه بطريقة مغايرة· إذ تؤكد أن وكالة الأنباء الفرنسية، على سبيل المثال، تشدد على الديانة التي يعتنقها 'عيسى أمارا' المرشح لرئاسة الاتحاد الإفريقي، وهي الإسلام· وتتساءل ما دخل الديانة في كفاءة هذا الشخص وما تأثيرها على المهام التي يقوم بها؟ وتجيب قائلة بأن غاية وسائل الإعلام الفرنسية هو إحداث الانقسام بين الشعب 'الإيفواري' والتأكيد على الطابع العقائدي والعرقي في النزاع الدائر في 'كوت دي فوار'·
بعيدا عن الصحافة الفرنسية وشجونها السياسية والإعلامية في 'الكوت دي فوار'، يمكن أن نتساءل لماذا أدارت وسائل الإعلام العالمية والعربية ظهرها للحرب الدائرة في هذا البلد الإفريقي؟ هل لأن العمل الصحفي فيها أصبح خطيرا على حياة المراسلين الصحافيين؟ وهل هو أكثر خطورة من الوضع في العراق، وأفغانستان، وفرنسا بعد أحداث الشغب، أم لأن هذا البلد المنسي في حروبه وفقره لم يندرج في أجندة الدول الكبرى، وبالتالي لم يتسلل إلى اهتمام وسائل إعلامها؟
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©