الإتحاد - خاص :
ما يعني الإنسان في الحضارة الراهنة أن يكون أقل شقاء لا أكثر سعادة، حتى أن كلمة سعادة بدأت تختفي أو هي اختفت فعلاً من لغة البحاثة، وفي أحسن الأحوال تحل محلها كلمة··· الرخاء·
يقول المخرج الأميركي ستيفن سبيلبرغ إن السعادة هي بمثابة تهمة بالغباء، لكن الانتروبولوجي كلود ليفي ـ شتراوس يرى أنه لولا القلق لظل الكائن البشري مواطن شرف في العصر الحجري·
لكل نظرته للسعادة، من صلاح جاهين الذي يقول: إن تضيع حذاءك ثم تعثر عليه فجأة إلى آلان ديلون الذي يقول إنها تحط على كتفه لهنيهة ثم تطير·
إذا سُئل هنري كيسنجر ما إذا كان سعيداً، فقد تكون إجابته مماثلة لإجابة هيفاء وهبي إذا ما طُرح عليها السؤال نفسه: سعيد (أو سعيدة) دعني أفكر·
السعادة لم تعد تعني ما كانت تعنيه، مجرد لحظة لغوية ضائعة، كما وصفها المسرحي السوري الراحل سعدالله ونوس، هذا فيما قال المخرج الأميركي الشهير ستيفن سبيلبرغ السعادة؟ إنها تهمة بالغباء· إذاً، لا تقل عن كائن بشري إنه سعيد لأنك بذلك تقصد انه غبي·
المسألة ليست تراجيدية إلى هذا الحد، يقول العالم الانتروبولوجي كلود ليفي ـ شتراوس: لولا القلق لبقي الإنسان مواطن شرف في العصر الحجري، ولكن ليشير، من ناحية أخرى، إلى أن الملكة البشرية استطاعت دائماً أن تصنع ذلك التوازن بين القلق والسكينة· هل باستطاعة أحد أن يتصور ما كان شعور جنكيز خان مثلاً عندما كان يجلس وحيداً؟
هناك مَن كتب عنه أشياء غريبة، كان يجهش فجأة في البكاء، والقائد المغولي الذي كان حصانه يشبه الصاعقة، كان يخاف من عواء الكلاب، تنتابه حالة من الهلع الشديد· يشعر بما يشبه الانهيار، لا شك أن هناك خللاً ما في شخصيته يدفعه إلى ذلك· لا مجال لاستخدام عبارة الامتلاء النفسي إذن، ففي أحد الأيام قالت فرنسواز ساغان أن ثمة ثقباً في النفس يشبه ثقب الأوزون·
الكلب قبل الخطيب أحياناً
جنكيز خان يخاف من الكلاب·· ولكن يا للغرابة حين نعلم أن الثرية الشهيرة باري هيلتون التي تغطي صورها معظم المجلات الغربية، والتي لعبت تلفزيونياً وسينمائياً بفشل منقطع النظير، مولّت مشروعاً لإنتاج موسيقى من نوع صاخب· قالت إنها الموسيقى التي تدغدغ قلبي ثم نعلم أن هذه الموسيقى التي سجلت على أقراص مدمجة هي عبار عن أنواع مختلفة من عواء الكلاب·
باري التي تظهر في صور كثيرة، وهي تحمل كلبها الذي يكاد يكون بحجم الفأرة، تخلّت عن خطيبها الثري والوسيم لأنها لا تستطيع أن توزع ولاءها العاطفي بين الخطيب والكلب، قد تكون الوحيدة التي تقول إنها سعيدة وبعض أصدقائها يؤكدون أنها تكذب، تدقق بصوره غير معقولة، وتكره دفع الضرائب ولا تلقي التحية على الشاطئ، لكنها تشعر بالنقص بسبب قصورها الثقافي· مع أنها جالت في أنحاء المعمورة، ومع أنها تقول في مقابلاتها أنها تبدأ يومها بقراءة الصحف، فقد تجيب إذا ما سألتها من هي كوندوليزا رايس بأنها عارضة أزياء إنجليزية·
الرخاء هو البديل
في مقابلة معها رددت كلمة سعادة ست عشر مرة، سعيدة لأنها خلقت هكذا، ولأنها جميلة، ولأنها تحب السهر، ولأنها عندما تستيقظ صباحاً ترى مَن يبتسم قربها، الشخص الذي يبتسم هو كلبها، باستطاعتكم أن تتمنوا لها سعادة أكثر·
من زمان، قال العالم السوسيولوجي الفرنسي جيرار سيوفان إن كلمة سعادة سقطت، فعلياً، من الاستعمال حلّت محلها كلمة تعني الرخاء أو شيء من هذا، يعني أن يمتلك الشخص ما يحتاجه: منزل جميل، سيارة فارهة، دخل مرتفع، بالطبع أن يستطيع قضاء إجازته في منتجع عالمي، وماذا بعد؟
بيل جيتس الذي تبلغ ثروته 500 مليار دولار يجد متعة منقطعة النظير حين يمشي حافياً على التراب· قال إن هذا يجعله يشعر بالتواصل مع الأرض، وهو ما يريحه كثيراً· التواصل مع الآخرين يفترض الظهور بمظهر آخر، وإن قال انه يختار ربطة عنقه عشوائياً· عندما يفكر بالاختيار يفقد عفويته، 'لا أريد هذا لأنني أرفض أن أكون رهينة لملابسي'·
هذه ليست حال الفنان المصري حسين فهمي مثلاً، فحين يرتدي ملابسه الأنيقة يشعر بشيء ما يشبه السعادة، يخاف أن يستخدم كلمة السعادة التي تفترض أن تبقى الحالة التي نفكر بها، حين نعتبر أننا وصلنا إليها تتحوّل، في الحال، إلى صخرة سيزيف تتدحرج ثانية، ويتكرر ذلك إلى ما لا نهاية·
السعادة كالريح
كان الممثل الفرنسي جان ـ لوي تريتينيان مبهور جداً بجاذبية الملابس، بجدية كان قول: إما أن يكون الرجل أنيقاً أو يكون··· قرداً· له مفهومه الخاص للأناقة، الملابس الباهظة الثمن، وهذا ليس رأي صديقه آلان ديلون الوسيم والأنيق في آن، فهذا يعتبر أن الثياب تحتل المرتبة الثانية، وربما الثالثة، بعد الجاذبية الشخصية·
هل كان ديلون يشعر بالسعادة؟ جوابه: السعادة ليست حالة يمكن أن تستمر لوقت مثل الصداع، أو مثل الندم، أو مثل الاكتئاب: تحط السعادة هنيهة على كتفي ثم تطير· نصيحته ألا نطارد السعادة للقبض عليها لأننا كمن يحاول القبض على الريح·
الشاعر المصري الشهير صلاح جاهين كانت له نظرته الساخرة للسعادة: أن تضيع حذاءك، ثم تعثر عليه فجأة للتو يسدل الستار·
مواطنون سعداء
وكان كاتب مسرحي عربي قد ظهر، منذ سنوات، على احدى الشاشات ليتحدث عن حكومتنا السعيدة التي تنتج مواطنين سعداء كيف؟ يفقد الصابون في الأسواق لفترة، ثم يطهر المازوت، الموز، السكر، الشاي البيض· فجأة يعود كل شيء إلى الظهور، هكذا، حسب رأيه· تجعلنا الحكومة في حال سعادة دائمة·
تعبيران رائجان في الحضارة الراهنة أكثر سعادة أم أقل شقاء؟ في الحضارة الراهنة لا يسعى الإنسان ليكون أكثر سعادة، يعنيه أن يكون أقل شقاء، في مدينة نيو اورليانز التي اجتاحها الإعصار كاترينا يصرح أحد السكان: لم تعد السعادة بالنسبة إليّ وجبة كاملة· طبق الهوت دوغ، هذه السعادة ، المهم ألا نتضور جوعاً· السعادة نسبية جداً في هذا المجال، البعض يجعله الرغيف سعيداً· آخرون لا يمكن أن يكونوا سعداء ولو وضعوا في جيبهم الكرة الأرضية·
السعادة أن نفكر بها
انجلينا جولي النجمة الشهيرة، تقول إن اسمها يجعلها أكثر قابلية للسعادة، هذا لتضحك: أحياناً، أشعر بأن أصابعي أقصر من أن تلامس السعادة· ثم تستدرك:السعادة أن نفكر بها· إذاً، إنها مادة للتأمل لا للممارسة، وإن كان النجم الآخر توم كروز يقول: أحيانا أشعر بأن السعادة تقتلني· هذا لأن لحظة الانحدار أصعب من أي شيء أي أن السعادة توصلك إلى الذروة ثم لا تلبث أن تغادر، كثيرون يضطرون للنزول على·· دموعهم·
الفلاسفة القدامى تحدثوا عن السعادة· قالوا بـ صفاء السريرة ولكن اذا ما تتبعنا مسيرة أفلاطون مثلاً لعرفنا مما كتبه مؤرخون أنه، وهو صاحب الجمهورية الفاضلة كان يشع بخلل داخلي عميق· في أحيان كثيرة كان يطل على تلامذته وهو ممتقع الوجه، كان يعيد ذلك إلى ساعات من التأمل المضني، هذا ليس صحيحاً، حتى أن الشاعر اليوناني نيكوس كازنتزاكي تحدث عن الآلام الهائلة في شخصية أفلاطون ومن أجل ذلك، وضع قصيدة بعنوان: 'فلسفة تبحث عن دموعها' تصور فيها نهراً يتعثر· لوحات ساحرة حيث الماء يتعثر، قد يرتطم بزهرة أو بظل امرأة أو بمنعطف·
البهجة الغائبة
إذا قرأ أحدكم الفيلسوف الألماني ارثر شوبنهاور فلا بد أن يبحث عن أقرب حفرة ليرمي نفسه بها، ولعل الطريف أن ما من كاتب أو فنان أبدع في عمل ما أو صنع بهجة ما وكان يشعر بالبهجة، مَن يتأمل في أزهار فان غوغ لا بد أن تعتريه الدهشة، بالطبع الدهشة المرصعة بالفرح، لكن أصابعه كان ملطخة بالبكاء· هذا كتب عنه اندريه مالرو الذي ذهل لمقدرة الفنان الهولندي الذي قطع أذنه من أجل غانية على الدمج بين الأسى الداخلي اللامتناهي، والبهجة الخارجية اللامتناهية، قد يكون هذا أحد أسرار العبقرية·
بحثاً عن دهشة ما··· قال محمود درويش بـ 'التراب الذي ترقص من أجله أرواحنا هذا لأنه على علاقة قديمة بهاتين القدمين اللتين لا تشبهان قط الأقدام البربرية التي عاثت خراباً بذلك التراب'· متى يصبح الشاعر الفلسطيني سعيدا؟ قال: حين تصبح فلسطين سعيدة· كثيرون اندمجوا في القضية، في الوطن، قليلون اندمجوا في الآخر· دعونا نقول، إذاً مع نزار قباني: بيننا مسافة تلقي فقط بالوردة، وردة بين الأنا والآخر، ولكن في أيامنا هذه قد نجد جبلاً بين الأنا والآخر·
لو كان المجمع اللغوي العربي ما زال هناك ماذا كان فعل بكلمة سعادة؟ كان أحد اقترح حذفها من المفردات العربية لأن مهمتنا ليست تسويق السراب!
الأورينت برس