27 ابريل 2011 21:30
أصدر مجلس الجالية المغربية بالخارج، كتاب “أنطولوجيا الهجرة في الرواية العربية”، وهو مجلد ضخم جاء في 477 صفحة من الحجم المتوسط، قام بإعداده وتنسيقه وتقديمه الكاتبان المغربيان حسن نجمي وعبدالكريم الجويطي. ويسعى الكتاب إلى تعميق النظر في سؤال الهجرة المغربية والعربية إلى العالم، وأساس الاقتراب من أشكال حضور هذه الظاهرة الإنسانية في المتخيل الحكائي والروائي العربي.
كما يقترح علينا هذا الكتاب بعضا من خرائط الهجرة في الرواية العربية. ومع أن قراءة هذا العمل ستفتح لنا أفقا للاطلاع على جملة من التجارب المختلفة مع الأمكنة والفضاءات والعلائق والثقافات الاجتماعية المختلفة التي عاشها أو رصدها الروائيون العرب من مختلف الأجيال والأسماء والأقطار العربية، حسب رأي إدريس اليزمي، رئيس مجلس الجالية المغربية في الخارج، والذي يقول إننا “نراهن أساسا على المضي، من خلال هذا العمل وكذا من خلال عدد من المبادرات الثقافية والإبداعية التي اتخذناها (منشورات، معارض، ندوات، لقاءات...) نحو إعادة بناء الخطاب الوطني حول الهجرة المغربية إلى الخارج”.
كما أن هذا الكتاب المرجعي يوفر أداة عمل للتعرف على خريطة الكتابة الروائية والسردية العربية المعاصرة فيما هو يقدم نظرة شبه شاملة حول خرائط الهجرة والاغتراب التي جَاسَها المواطن العربي. إننا نقرأ هنا لرواد الرواية العربية، بدءا بطه حسين ومحمد حسين هيكل ونجيب محفوظ وعلي الدوعاجي ومحمود المسعدي وصولا إلى أحدث الروائيين سنا وتجربة، مرورا بإدوار الخراط ومحمد برادة وإلياس خوري وإبراهيم الكوني والطاهر وطار وغيرهم، ونتعرف على أنواع من الكتابة الواقعية والتجريبية والتسجيلية، ونكاد نلامس الأمكنة المتخيلة التي تقدمها هذه النصوص المتميزة والمختلفة والمتعددة من بلدان الوطن العربي من الخليج إلى المحيط.
تعود إلينا الأسماء الرائدة، وتنبثق أسماء جديدة في الكتابة والتخييل، وأحيانا من داخل أوطان الهجرة، ونتأكد مرة أخرى، وعبر النصوص الروائية والسردية، من قيمة وتميز اهتمام النخب الأدبية والإبداعية بموضوع الهجرة والمنفى. لقد انشغل الكاتب العربي الذي خبر وكَابَد هذه التجربة الإنسانية انشغالا إبداعيا وجماليا، وحاول عبر الكتابة والتفكير والتخيل أن يقدم مختلف أوجه هذه التجربة بكل ثرائها وقسوتها، بحالات المحنة والبؤس والفقر والحاجة وحالات الغنى الثقافي والحضاري واللغوي والإنساني. ومن هنا أهمية هذه النظرات والمقاربات والتوترات والمفارقات المتقاطعة في هذه المختارات السردية.
يشير معدا هذا الكتاب القيّم في مدخل الكتاب إلى أن الإنسان يسعى دوما لارتياد الآفاق واكتشاف أماكن جديدة واللقاء بالآخر عابرا بحارا وصحارى وجبالا معرضا لشتى الأخطار والأهوال منتصرا على نفسه وعلى الجغرافيا في سعيه. ارتحل راجلا وركب الأنعام وابتكر العجلة وسبح وارتحل سفنا وروض بعض الحيوانات ليقطع المسافات ويدلل الصعاب لأن الهجرة حاجة وجودية. ومثلما يتجدد الماء حين يجري فإن الإنسان أيضا يتجدد في الهجرة ويكتسب خبرات ومهارات ومعارف حين يمضي في الأرض..
بكاء ابن بطوطة
لم تكن الهجرات تخلو من جراح وتمزقات وأحاسيس الحنين والغربة والاجتثاث. يتساءل معدا الكتاب: ألم يبك ابن بطوطة في تونس شوقا للوطن وهو في بدايات رحلته الطويلة!؟. وتراث البشرية المادي كالنقوش على الصخر والشفوي كالغناء والحكايات والشعر مليء بعذابات الهجرة وألم الفراق ورؤية الأنا من خلال الآخر، والحاجة للغيرية كمرآة لبناء الذات واستشراف أبعادها. بل إن أول النصوص الأدبية للبشرية تدور كلها حول موضوع الهجرة. وكان الأدب اليوناني من الآداب الإنسانية الأولى لاستثمار الحنين كتيمة أدبية محورية كما جاء في ملحمة الأوديسيا وهي تصف شوق أوليس في الرجوع إلى إيثاكا وأسرته. كما ولد علم التاريخ على يد هيرودوت كخلاصة لترحاله بين بلدان البحر الأبيض المتوسط. ويقدم الشعر العربي في بداياته “الجاهلية” مثالا أوضح لألم مفارقة البلد والأحبة، وضياع الجذور، وفقدان الركائز التي كانت تقوم عليها الحياة في زمن مضى. ولعل البكاء على الأطلال وشكاوى البين هو خير تعبير عن الإحساس المؤلم بالضياع وبتقلب الزمن الذي ولده نمط حياة قائم على مطاردة الكلأ والماء حيثما وجدا. وهل نحن هنا في حاجة للتذكير بأن الإسلام كديانة سماوية قد انتصر كدين وكدولة ناشئة على إثر فعل الهجرة بكل أبعاده!؟
وعندما اتسعت الدولة العربية الإسلامية وولدت المدينة بإيقاعها الحاجة إلى النثر رصدت التجارب السردية المكتملة هجرات، متخيلة أو واقعية، للأفراد والجماعات ومغامرات اللقاء بأناس وكائنات غريبة بين المدن والبلدان والجزر وأهوال الطرق واقتحام المجهول. نفكر بالأساس في ألف ليلة وليلة وحكايات السندباد ومقامات الهمداني والحريري والوهراني وتطواف أبطالها في المدن العربية طلبا للرزق، وقصة ابن طفيل عن “حي بن يقظان”، و”رسالة الغفران” لأبي العلاء المعري، والملاحم الشعبية كملحمة “بن دي يزن” و”حمزة البهلوان” و”التغريبة الهلالية” التي وصفت الهجرة الكبرى للقبائل الهلالية من نجد نحو شمال إفريقيا.
لقد كانت الهجرة دوما أحد المصادر الخالدة للأدب شعرا ونثرا مثلها مثل الحب والموت وصروف الدهر. ولم تحد الرواية حين ولدت على يد سيرفانتيس عن هذا المبدأ، فلو لم يهجر دون كيشوط المانشا بحثا عن إحياء زمن الفروسية البائد لما راكم المغامرات والأحداث الجديرة بأن تحكى. ومنذئذ شكل الرحيل في الرواية عن الأهل ومرابع الصبا البذرة التي تتفتق في رحم الحكي وتلد مسارات سردية متنوعة. إن بطل الرواية الذي ولد من فساد العالم الخارجي وخلو كل ما يحيط بالفرد من المعنى والمثال، بل إن هذا البطل في طلاقه مع الواقع صار يفتقد المعنى في حياته التجريبية المبتذلة، المتقطعة، وأضحت الآصرة التي تجمعه بالعالم شكلية. فما صار في متناول الفرد من العالم هو تجاربه الخاصة فقط وليس من معنى يحيط به إلا معنى حياته في حد ذاتها، وكل الشخوص والبنيات الاجتماعية والأحداث التي تظهر في العمل لا مبرر لها إلا في كونها تنير أحد جوانب وجوده.
وبرأي حسن نجمي وعبد الكريم الجويطي فقد تنبه ميخائيل باختين (المنظر الأدبي الروسي) بالأساس إلى أن جِدّة الرواية كجنس أدبي للأزمنة الحديثة ارتكزت بالأساس على تعدد الأصوات وعلى “الكْرُونُوتُوبْ” (وحدة المكان/ الزمان) الذي صار يحدد الوحدة الفنية للرواية في علاقتها معه الواقع وينتصب كمركز تنظيمي للأحداث المحكية. فقد وحدت رواية دون كيشوط بداخلها وبمحاكاة ساخرة العالم العجائبي لرواية “الفروسية” و”الطريق الكبيرة” كتقليد في الرواية الشطارية. يتعلق الأمر إذن بأول رواية استثمرت الطريق واللقاء ومصادفاتهما كأساس للحكي وعبدت المسار لسيطرة الرواية على العالم كمجال للمغامرة والاكتشاف واللقاء، وللصعود المظفر للمكان في كل أشكال الرواية وفي أهم إنجازاتها العالمية.
في الوقت الذي كان فيه سيرفانتيس يستثمر في رواية دون كيشوط غنى الثقافة الأندلسية وتعددها الخلاق، كانت إسبانيا الكاثوليكية تطهر بالحديد والنار شبه الجزيرة الإيبيرية من الوجود الإسلامي مجبرة الموريسكيين على النزوح الجماعي إلى شمال إفريقيا. لم تخلف هذه الهجرة المأساوية غير نص أوحد لأفوقاي وهو رحلته المعنونة بـ”ناصر الدين على القوم الكافرين” والذي عوض أن يصف الكارثة، كرس معظم النص لسجال ديني حول المسيحية.
كان ينبغي انتظار هجرات الشاميين وخصوصا المسيحيين منهم لأمريكا الشمالية واللاتينية في أواخر القرن التاسع عشر. غير أنها كانت خصبة جدا في مجال الشعر والدراسات النقدية (جبران خليل جبران، إيليا أبوماضي، ميخائيل نعيمة، رشيد خوري، والشاعر القروي). ولم تخلف لنا نصوصا روائية تذكر رغم أن دوافع هذه التجربة المتمثلة في الاستبداد السياسي وكبت الحريات والضغط الاقتصادي والبحث عن الرزق والصراع المذهبي والتعصب الديني هي نفسها التي فجرت حركات الهجرة في كل بلدان العالم العربي بعيد الاستقلالات القطرية. ورغم أن رواد الحركة أيضا احتكوا في بلاد المهجر بأنساق ثقافية حداثية وبواقع أدبي اتخذت فيه الرواية مكانة متميزة، وهو ما يثبت أن التثاقف لا يتم إلا عبر التطور التاريخي للجماعة المتفاعلة وحاجياتها الثقافية.
لقد مكنت رحلات السفراء والدبلوماسيين والتجار، وبعدها رحلات الطلبة، الوطن العربي، من أن يكتشف مبكرا تخلفه بالمقارنة مع ما أصبح عليه الغرب. وبقدر ما كان هذا الاكتشاف مصدرا للألم والأسى، بقدر ما طرح أسئلة ملحاحة وشائكة من قبيل لماذا تقدموا وتخلفنا نحن؟ وطيلة التحولات العميقة التي عرفها العالم العربي كانت تقدم أجوبة عن هذا السؤال تعكس بشكل أو بآخر الإطار الحواري والتفاعلي والصدامي لعلاقة الأنا المعقدة بالآخر (على نحو ما يوضح ذلك كتاب: “الإيديولوجية العربية المعاصرة” لعبد الله العروي).
لقد وضع الاستعمار والهجرات وكل الإشكال الأخرى للاتصال كالرحلات والبعثات الطلابية والمثقفين، خصوصا في إشكاليات المثاقفة، أي إشكال التأثير والتأثر والاستيراد والرفض والتمثل. ورصدت الروايات الأولى التي تعرضت للهجرة نحو الغرب صورة ذلك الطالب المُجد الحالم المنحدر من بورجوازية صغرى أو متوسطة والمستشعر لضيق ما يخنقه في الشارع والبيت والجامعة ويدفعه للتطلع لحياة أخرى يكون فيها حرا وينهل فيها من معين ثقافة متحررة. كانت الهجرة من أجل الدراسة والمعرفة حركة مزدوجة تتحرر فيها الذات من قيود التخلف والقهر لتعانق قيم التقدم والتحضر والحرية. لم يفت روايات كـ”أديب” لطه حسين و”الحي اللاتيني” لسهيل إدريس و”قنديل أم هاشم” ليحيى حقي و”موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح مثلا وصف دوافع الهجرة، والتي تكاد تكون متشابهة، ثم الانتقال لوصف الرحلة نحو الغرب ومصاعب الوصول والتكيف مع الأوضاع الجديدة.
ولأن هذا البطل سيحس بدونيته وهامشيته وضعفه إزاء هذا الغرب القوي الجبار المتسلط في كل مناحي الحياة فانه سيشهر “فحولته” في وجهه، فإن كان متفوقا حضاريا فإنه بارد وضعيف جنسيا. لذا يقوم بدوره بـ”غزو” مضاد يستبيح فيه عرض نساء الغرب كما استباح هو بجيوشه خيرات وإمكانيات الشرق! نجد هذا مثلا في “عصفور من الشرق” لتوفيق الحكيم و”موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح و”الحي اللاتيني” لسهيل إدريس. لقد استطاعت هذه الروايات التأسيسية تجاوز النظرة الانبهارية والتمجيدية لمنجزات الحضارة الغربية والتي حفلت بها كتب الرحلات (الطهطاوي، الصفار...) لتؤسس رؤية نقدية مبنية على الاختلاف الجوهري بين الشرق والغرب، فإن كان الغرب متفوقا من الناحية المادية، فهو يعيش على المستوى الروحي تفسخا أخلاقيا وتسلطا للغرائز البهيمية وتفككا اجتماعيا، وهناك هوة تفصله عن الشرق الغرائبيين الذي، رغم تخلفه وتمكن الخرافة من أناسه، فانه يمتلك كنوزا روحانية شكلتها الأديان ونمط حياة بدوي في مجمله قائم على قيم التآزر والتكافل والكرم، نمط لا يعيش فيه الأفراد العزلة القاتلة التي تفرض على الغربيين.
ما بعد الاستعمار
يمكن إدراج كل الروايات الأولى التي رصدت الهجرة إلى الغرب ضمن دائرة خطاب ما بعد الاستعمار لأنها تصف ما يعتمل في نفس المثقف العربي إزاء الغرب، وتضع اليد على وعيه الشقي المتردد بين الانبهار والصدود، الرفض والقبول، الذوبان والتمييز، وعلى تركيبية هذا الوعي الذي يحاول أن يوحد المتنافر والمتباعد مع ما يواكب ذلك من تمزق ويأس.
بعيد الاستقلالات القطرية، احتاجت أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية في نموها ليد عاملة رخيصة وغير متطلبة فعملت على نقل مئات الآلاف من العمالية العربية في شمال إفريقيا إلى معمل فرنسا وبلجيكا وهولندا، وفي موجة ثانية بدأت بريطانيا وإسبانيا في استقطاب مئات الآلاف من المهاجرين الذين سيشتغلون في حقول الفلاحة ومجال الخدمات والتجارة خصوصا. وسيخلي الطالب المهاجر في الرواية العربية مكانه لخليط من المهاجرين، لن يأتوا بشكل مؤقت للنهل من حضارة الغرب بل إلى مقيمين دائمين سيسكنون الضواحي والأحياء المهمشة في المدن الكبرى، وسيشكلون بطقوس دينهم وعاداتهم وتقاليدهم وأزيائهم وأنماط سلوكهم وأكلهم ذلك المسْتفِز والمُهدد الذي لم تعد توقفه المساحة الجغرافية بل صار قريبا جدا يزاحم في العمل ووسائل النقل والامتيازات الاجتماعية! وعلى اثر الصراع السياسي داخل البلدان العربية وظروف الحرب الأهلية في لبنان وانفجار الأوضاع في السودان والصومال وغيرها، وأساسا الصراع العربي الإسرائيلي، ستتعزز حشود العمال بمنفيين وهاربين من البطش السياسي وباحثين عن حرية القول والحركة وأطر مثقفة، وسيلد هذا الواقع الجديد للهجرة نصوصا روائية لن تجتر الخطاطة البسيطة للشرق الروحاني في مقابل الغرب المادي بل ستحاول ملامسة تعقيد الأنا بالآخر وإشكالية الهوية وبسط الشروط الصعبة للحياة في مجتمعات لا ترحم أبدا. وبقدر ما يبدو البطل الجديد مشدودا لجذوره ولما يجري في وطنه بقدر ما هو منفتح أيضا على المجتمع الذي يعيش فيه. فهو يفهم أكثر مشاكل الاندماج ويتفهم مخاوف الآخر ويعيش العلاقة معه لا كصراع بل كعطب فيه من سوء الفهم والفوبيا أكثر مما فيه من المسوغات الواقعية. نجد مثلا هذا في “شرق المتوسط” لعبد الرحمن منيف، “أيام باريس” لرُنيه الحايك، “الحب في المنفى” لبهاء طاهر، “السماء الثامنة” لأمين الزاوي، “زهرة لقمر النسيان” لمحمد فاهي و”يوميات مهاجر سري” لرشيد نيني.
لم تستثمر الرواية العربية الهجرة إلى الغرب فقط بل انشغلت أيضا بالهجرات الداخلية بين الأقطار العربية وخصوصا بما ترتب عن نكبة 1948 وهزيمة 1967 ونزوح مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى الشتات في الأردن ولبنان وسوريا وأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا وباقي أقطار العالم. رصدت الرواية الهمجية الصهيونية وجرائمها في حق مواطنين عزل دفعوا لهجر حقولهم ودورهم وقراهم، وبأصوات مختلفة وصفت مآسي الاجتثاث وبؤس المخيمات، لكنها وصفت أيضا جذوة المقاومة وبطولات الفدائيين الذين بدؤوا الرحلة الطويلة لاستعادة الأرض. نجد هذا مثلا في روايات غسان كنفاني، و”باب شمس” لإلياس خوري، و”بوصلة من أجل عباد الشمس” لليانة بدر و”بريد بيروت” لحنان الشيخ، و”البكاء على صدر الحبيب” لرشاد أبو شاور، و”عودة الطائر إلى البحر” لحليم بركات، و”نهر يستحم في البحيرة” ليحيى يخلف.
رصدت الرواية العربية أيضا هجرة العمالة بين البلدان العربية وخصوصا نحو بلدان الخليج التي، ونتيجة للطفرة النفطية، صارت في حاجة لأطر إدارية وخدماتية وأيد عاملة قادرة على إسناد تحولاتها الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة. ولأن تلك البلدان أخذت من الحداثة جانبها الاستهلاكي والمظهري دون الإقدام على استنبات أسسها السياسية والثقافية والاجتماعية فإنها ارتضت لنفسها العيش في ظل ازدواجية مثيرة للسخرية. نجد هذا مثلا في رواية “البلدة الأخرى” لإبراهيم عبدالمجيد وخماسية عبد الرحمن منيف و”نشيد البجعة” لسعيد مكاوي. وهناك أيضا بعض الروايات التي اهتمت برسم صورة لأوضاع المهاجرين، إما لأسباب سياسية أو للعمل في بعض البلدان العربية كلبنان والجزائر. أوضاع مفجعة يتحقق فيها المثل القائل كالهارب من الرمضاء إلى النار حيث يفترس المنفيون بعضهم البعض ويعيشون الانهيار البطيء لأحلامهم. نجد هذا في “الزمن الموحش” لحيدر حيدر و”الأنهار” لعبد المجيد الربيعي.
ويرى معدا هذا الكتاب القيم أن الرواية العربية اهتمت، أيضا، بعودة هذا المهاجر إلى بلده الأصلي ضمن ما يمكن تسميته بأسطورة العودة، إنها الدائرة وقد انغلقت على نفسها والسهم حين يعود إلى التوتر، غير أن المهاجر لا يعود كما ذهب. فالهجرة تجربة عميقة مؤثرة، لا تحدث دون أن تترك ندوبا في الروح، ودون أن تحدث تحولات جذرية في الرؤية للذات والآخر. عاد بعض أبطال الروايات ممتلئين حماسة وتصميما لتغيير الأوضاع المتخلفة في بلدانهم بينما عاد آخرون منكسرين ومنطفئين يجترون خيبات مريرة. ومثلما فرض عليهم مواجهة مشاكل الاندماج حين ذهبوا فإن العودة أيضا ستفرض عليهم مشاكل اندماج من نوع آخر، فقد أكلوا من ثمار التقدم والحداثة والحرية، وسيكون من الصعب عليهم التوافق مجددا مع نقائضها المعششة في التربة العربية.
عموما على امتداد التاريخ القصير نسبيا للرواية العربية، كانت تيمة الهجرة حاضرة بشكل لافت. فقد أتاحت هذه التيمة للرواية معالجة الإشكاليات المعقدة للعلاقة مع الآخر واستشراف أبعادها وتقليب أوجهها بما أن التحدي الأكبر الذي واجهه الوعي العربي منذ النهضة العربية هو الأخذ بأسباب التقدم والتطور دون الذوبان في الآخر أو الخضوع له. لقد كانت الرواية فضاء فسيحا لتمثيل حيثيات هذه العلاقة المعقدة، وتجريب مواجهة أفكار الذات والآخر بعضها ببعض، وكشف الجوانب الإنسانية المأساوية في الغالب لسوء الفهم والأفكار المسبقة ولحياة الغربة في حد ذاتها وفراق الأهل ومواطن الطفولة. إن وصف مآسي الهجرة يبدو أحيانا كتقريح للوطن الذي لم يوفر لأهله الكرامة والحرية واللقمة الكريمة.
إشكاليات
كما لاحظ الباحثان حسن نجمي وعبد الكريم الجويطي أن الرواية العربية لم تبرح في تناولها للهجرة الإشكاليات التالية:
إشكالية المثاقفة: الهجرة ذهاب نحو الآخر، وأول ما يثير في هذا الآخر هو ثقافته. فالاحتكاك يقع بالأساس في المجال الثقافي مع ما يقتضيه ذلك من تأثير وتأثر وصراع وتكامل. نحن لا نعرف ما نكون إلا بالقياس مع الآخر المختلف. لذا تنشغل رواية الهجرة وبإفراط أحيانا، في وصف الآخر وكل ما يحيط به.
إشكالية التنميط: اجترت جل الروايات العربية الأشكال النمطية لعلاقة الشرق بالغرب من قبيل روحانية الأول ومادية الثاني. ولأن التنميط يلاحق جوهرا متعاليا على التاريخ، فإن هذه الروايات تحاول أن تبرهن على شيء موجود قبليا وأبطالها ضحايا له بشكل أو بآخر.
ويقول المؤلفان أن عملهما هذا يحاول ضبط خرائطية الهجرة في الرواية العربية منذ عصر الرواد حتى اليوم. مع الإحاطة، ما أمكن، بتجارب كل الأجيال الروائية وفي معظم الأقطار العربية. وقد توخينا اختيار نصوص لها القدرة على أن تكتفي بذاتها وأن تقدم للقارئ صورة بانورامية عن كيفية تناول الرواية العربية للهجرة.
ولأن الهجرة حكاية تبدأ بالرحيل، ثم الاحتكاك بالآخر ومعاشرته، وتنتهي بالعودة أن كانت هناك عودة، فقد حاولنا تقديم نصوص تصور كل هذه المفاصل الرئيسية في تجربة الهجرة حرصا منا على تنويع وجهات النظر ولإغناء الصورة التي تتضافر جهود كل هذه النصوص مجتمعة على تقديمها.
عناوين في روايات الهجرة
الأعمال التي قدمها الكتاب ورصد فيها نَفَس الهجرة فيه “القانون الفرنسي” صنع الله إبراهيم، “الخيوط” وليد أبو بكر، “الرب لم يسترح في اليوم السابع” رشاد أبو شاور، “الحي اللاتيني” سهيل إدريس، “شيكاغو” علاء الأسواني، “القوس والفراشة” محمد الأشعري، “مصرع أحلام مريم الوديعة” واسيني الأعرج، “نساء في الطريق” علي أفيلال، “الحديث والشجن” حسن أوريد، “بوصلة من أجل عباد الشمس” ليانة بدر، “مثل صيف لن يتكرر” محمد برادة، “رأيت رام الله” مريد البرغوثي، “عودة الطائر إلى البحر” حليم بركات، “الريش” سليم بركات، “في الطفولة” عبدالمجيد بن جلون، “النخاس” صلاح الدين بوجاه، “موت” رشيد بوطيب، “كائنات محتملة” محمد عز الدين التازي، “أميركا” ربيع جابر، “تحريك القلب” عبده جبير، “يوميات يهودي من دمشق” إبراهيم الجبين، “أيام باريس” رينيه الحايك، “أديب” طه حسين، “قنديل أم هاشم” يحيى حقي، “عصفور من الشرق” توفيق الحكيم، “العلامة” بنسالم حميش، “وليمة لأعشاب البحر” حيدر حيدر، “نباح” عبده خال، “الحياة السرية للأشياء” محسن خالد، “البدَدْ” نعمة خالد، “رامة والتنين” إدوار الخراط، “وشم في الذاكرة” عبدالقادر خلدون، “الميراث” سحر خليفة، “باب الشمس” إلياس خوري، “جولة بين حانات البحر المتوسط” علي الدوعاجي، “مخالب صقلية” شفيق الدويري، “السماء الثامنة” أمين الزاوي، “المرأة والوردة” محمد زفزاف، “عزازيل” يوسف زيدان، “معبر الندم” أحمد علي الزين، “عشاق بية” الحبيب السالمي، “تغريدة البجعة” مكاوي سعيد، “أجنحة مغتربة” خلود السيوطي، “نسال آل الرندي” الميلودي شغموم، “الخبز الحافي” محمد شكري، “صالح هيصة” خيري شلبي، “عراقي في باريس” صموئيل شمعون، “بريد بيروت” حنان الشيخ، “موسم الهجرة إلى الشمال” الطيب صالح، “الحب في المنفى” بهاء صالح، “بُرُوكْلينْ هَايْتَسْ” ميرال الطحاوي، “البعيدون” بهاء الطود، “مدن بلا نخيل” طارق الطيب، “وداعا أيتها السماء” حامد عبدالصمد، “البلدة الأخرى” إبراهيم عبدالمجيد، “الغربة” عبدالله العروي، “اهبطوا مصر” محمد عبدالسلام العمري، “عام 11 سبتمبر” عبد العزيز غرمول، “حشيش” يوسف فاضل، “حكاية صفر لقمر النسيان” محمد فاهي، “حبك يا الضاوية” المعطي قبال، “شرفة في قفص” محمد القيسي، “رجال في الشمس” غسان كنفاني، “ديوان النثر البري” إبراهيم الكوني، “المقامة اللامية” جمعة اللامي، “الأنهار” عبد الرحمن مجيد الربيعي، “إلى الأبد و...يوم”، “القارورة” يوسف المحيميد، “هموم بطة” أحمد المديني، “رماد الحياة” حسونة المصباحي، “رابية الخطار” علي المعمري، “الولع” علية ممدوح، “شرق المتوسط” عبد الرحمن منيف، “مأساة ديمتريو” حنا مينة، “حيث لا تسقط الأمطار” أمجد ناصر، “الطاحونة الضائعة” إميلي نصر الله، “تفريغ الكائن” خليل النعيمي، “ثلاثة وجوه لبغداد” غالب هلسا، “زينب” محمد حُسين هيكل، “الطائر في العُنق” عمرو القاضي، “الروض العاطر” محمود الورداني، “عرس بغل” الطاهر وطار، “نهر يستحم في البحيرة” يحيى يخلف.