لم يكن طلب اليابانيين، اعتبار فريقهم منتخب «الساموراي»، المحاربين القدامى، لا فريق الحاسوب، اعتباطاً، لأنهم يدركون أي إرث يمضون فيه، معززاً هويتهم الوطنية، فالحواسيب هوية عالمية، بينما أولئك الرجال الشجعان شديدو البأس، ينتمون إلى أرضهم، لا يتكررون في أية ضفة أخرى، وراء النهر، أو خلف البحار والمحيطات.
وحينما نهضت بلادهم تلفتوا حولهم فرأوا أنهم يسيرون في كل شيء إلى الأمام، بقوة سيارات «اللكزس» التي حققت فخامة لم تستطعها ماركتهم الشهيرة «التويوتا»، وبجودة تغلبت حتى على المنتج الأميركي الذي يوصف خليجياً بـ «الولايتي» نسبة إلى الولايات المتحدة التي تصنّع كل ما يشار إليه بالبنان قوة وجودة.. ودهشة.
تلفت أبناء «الساموراي» فإذا بهم يرون فريقهم «الأزرق» استراحة الفرق لجمع النقاط، فكان لا بد من التخطيط لتقويم مسار كرة القدم في بلادهم كما يفعلون في سائر حقول المعرفة، في البيت أو المعمل، المزارع في الحقل كما هو الوزير في الحكومة، وتعملق «الأزرق» الياباني، وصار نداً، وأصبح بطلاً، والأهم أنه ممتلك لتلك الثقة التي يسير على دربها، للوصول إلى مبتغاه.. حتى أصبح على رأس الهرم الكروي الآسيوي مرات عدة، ولم يغب عن نهائيات كأس العالم منذ أن عرف الدرب إلى منافساتها.
صنع اليابانيون لهم مجداً كروياً في «القارة الصفراء»، وبقي الطموح العالمي لا يتناسب لأن هناك كبار كرة القدم الذين عبروا تواريخ عريقة مع اللعبة الشعبية، وكان تنافسهم مع الكبار، عكس الفريق الياباني الذي لم يجد إلا منتخبات القارة الصفراء يقارعها، وفي الغالب ينتصر عليها.
وكانت رياح «الأزرق» تهب بقوة في ربع نهائي هذه القارة، لم يشفع للإيرانيين ذلك التفوق في كل مباراة خاضوها، ولا التوقع الإيجابي، حتى قبل أن يخوضوا أي مباراة، فتحول «أبناء الساموراي» إلى جيش عنيد زلزل دفاعات خصمه، كأنه يستعيد طلعات «بيرل هاربور» كروياً، لغة السلام التي يجيدونها الآن، وقد طووا تاريخاً من الحروب لمصلحة حروبهم السلمية، من أجل المعرفة والفكر، فتلفّت الإيرانيون حول الحكم «مجلس الأمن» يطالبونه بمعاقبة الياباني الذي سقط، وفيما كان ينهض سريعاً من سقوطه، انتبهوا إلى أنه نهض، وقاتل من أجل الكرة، ورماها إلى رأس زميله، فكانت الضربة الأولى في مرمى حارس حمى عرينه بصورة مثالية منذ انطلاقة البطولة، ثم جاءت الثانية عاجلة، وفيما كانت المباراة تلفظ أنفاسها تذكر اليابانيون جيرانهم في الصين الذين ذاقوا مرارة الثلاثية الإيرانية، فأكرموا وفادة خصمهم بثالث، جعل من المدرب كيروش يغادر وظيفته، بعد سنوات طوال حلم فيها، أن يعيش اللاعبون حلماً لم يعيشوه، إذ كان قبل 43 عاماً.