28 سبتمبر 2011 22:16
في كتابه “عولمة العوملة” الذي نفدت طبعته الأولى في فترة وجيزة وصدرت طبعته الثانية عن منشورات الزمن، يناقش المفكر المغربي وعالم المستقبليات المغربي الدكتور المهدي المنجرة إشكالية العولمة والأسس التي قامت عليها، مفتتحا الكتاب القيم بنص مداخلة ألقاها ضمن أعمال الملتقى الذي أشرفت عليه جمعية الدراسات السياسية بالمملكة المتحدة التي نظمت هذا اللقاء الفكري بشعبة الأنتروبولوجيا والتاريخ بجامعة هوكايدو في اليابان. وكانت هذه المحاضرة قد أثارت جدلاً واسعاً حول فكر الدكتور المنجرة، وكانت هذه المحاضرة كرد على مقالة شهيرة للمفكر المعروف صمويل هنتنجون التي نشرت في 28 مارس 1999.
وحول هذه المقالة “القوة العظمى الوحيدة”، رد الدكتور المنجرة الذي ناهض بقوة مقولة هنتنجون الشهيرة والقائلة “لم تعد هناك من الآن فصاعدا سوى قوة واحدة”. حيث يقرّ الدكتور المنجرة بأن “تسوية القضايا الدولية الرئيسية تستدعي مبادرة تقودها القوة العظمى الوحيدة بمعية بعض التكتلات المكونة من الدول الكبرى الأخرى، غير أن القوة العظمى الوحيدة يمكنها أن تمارس حق النقض بخصوص القضايا الجوهرية ومن البديهي أن تكون الولايات المتحدة الأميركية هي الدولة الوحيدة المتفوقة في كل مجالات القوة: اقتصاديا وعسكريا ودبلوماسيا وإيديولوجيا وثقافيا، مع توافرها على قدرات التدخل الضرورية لصيانة مصالحها في كل بقاع العالم”. ونتجت عن ذلك تراتبية السلطة في العالم الجديد لـ “السياسة الكونية”. فبعد القوة العظمى الوحيدة، نجد في المرتبة الثانية “القوة الإقليمية المهمة” وفي المرتبة الثالثة “القوة الإقليمية الثانوية”.
وهناك 15 دولة تنتمي لهذين الصنفين الأخيرين، ولا يتوقع أي ترتيب خاص بالنسبة لأكثر من 180 عضواً ضمن المجموعة الدولية، اللهم إلا إذا تم تصنيف هؤلاء الأعضاء، ببساطة وعن طريق الإقصاء، في خانة “آخرين”.
سياسة القوة
في ظل كل هذا أي قراءة يمكننا القيام بها لميثاق الأمم المتحدة وللمعايير الأكثر بساطة للمواثيق الدولية؟ ماذا سيتبقى من مفهوم التفاوض والتصالح ذاته؟ وما هو مآل حرية الاختيار (الإدارة الحرة) ضمن التعاون الدولي؟ ألا يجب علينا الحديث بالأحرى عن “لبرلة سياسة القوة” و”خوصصة” العلاقات الدولية من لدن قوة واحدة، وذلك بفضل “هيمنتها داخل كل مجال من مجالات القوة” كما سبق أن رأينا؟ إن “العولمة” في السياسة الدولية المعاصرة تتطلب الهيمنة لتسهيل عملية التجانس ووضع نظام جديد للطبقات المغلقة، وذلك على مختلف الدرجات، حيث يمكن “لقوة الأغنياء” و”لقوة المحرومين” أن تتواصلا وفق قواعد محددة من جانب واحد من أجل “مصلحة” الجميع. هكذا، فإن قوة مثل الولايات المتحدة الأميركية، بساكنتها التي تناهز 250 مليون نسمة، أي أقل من 5 في المائة من ساكنة العالم، تجد نفسها بفعل “عولمة” القوة، في وضع قائم على قيادة العالم حسب هواها ودون أن تترك للآخرين المنقادين أدنى إمكانية للطعن.
إن مادلين أولبرايت تنعت هذه القوة “بالدولة التي لا غنى عنها”، وتضيف قائلة: “لأننا قادرون، بفضل طول قامتنا، أن نرى أبعد من الأمم الأخرى؟
إن السلام في هذه الحالة، سيكون مهددا بشكل خطير، كما أن الحفاظ على التنوع الذي يعتبر أساسيا بالنسبة للبقاء، سيتعرض للخطر. فحظوظ تقليص الفروق داخل نفس البلد وبين الأمم، أصبحت ضئيلة جداً. وسيكون التواصل الحقيقي المتضمن للاحترام المتبادل أصعب بكثير، ذلك أن الغطرسة لم تكن أبدا وسيلة لتحقيق السلام أو الحكمة أو طريقا نحو التواصل والمعرفة المتبادلة. وبالفعل، فإن أولئك الذين يريدون منا أن نثق “بالعولمة” بنوع من السذاجة، لم يكتشفوا بعد ما يربطهم بشعبهم وبالإنسانية بصفة عامة، دون أن نتحدث عما يربطهم بالكون. فهم قد احتجزوا الكوكب الأرضي، وجعلوا الفضاء خاضعا لليهمنة العسكرية، واحتلوا البلدان ورشوا الحكومات واشتروا عقول وأقلام جزء لا يستهان به من أنتلجنسيا العالم الثالث، وعبَّدوا الطريق أمام شركاتهم متعددة الجنسيات، للاستحواذ على جزء هام من المقاولات العمومية، وبالتالي إضعاف الاقتصاديات الوطنية لبلدان الجنوب، مع تعميق التفاوتات السوسيو ـ اقتصادية بها. علاوة على ذلك، فهم وقعوا لفائدة الحكومات غير الديمقراطية، والتي لا تمثيلية لها، على عقد تأمين للحياة ضد إرادة شعوبهم نفسها. إن “العولمة” تعمي مركزة السلط، كل أشكال السلطات، وليس فقط السلطة السياسية. هكذا، فإن شركتين أميركيتين هناك (جينرال موتورز وإكسون) تحققان لوحدهما رقم معاملات يفوق مداخيل الهند ذات المليار نسمة. فنحن نوجد في مرحلة خضعت فيها اللغة ذاتها للتحريف، حيث أصبحت الكلمات، وبحركة سيمانتيقية ذات مفعول قوي، تدل من الآن فصاعدا، على عكس معناها الأصلي. فـ”العولمة” ترجع في التحليل الأخير إلى “اللاتنظيم”، إنها تعني منذ الآن، العملية التي يتم بواسطتها ـ بمساعدة صندوق النقد الدولي والبنك العالمي في الغالب ـ “تنظيم” نزع ملكية الشعوب بمباركة الزعامة المحلية التي لا يفوتها الاغتناء بالمناسبة.
التابع والمتبوع
ومنذ حوالي ست سنوات كتب جيمس مورغان بجريدة “فاينانشل تايمز” ما يلي: “إن انهيار المعسكر السوفييتي قد ترك المجال شاغرا أمام صندوق النقد الدولي ومجموعة السبع الكبار للتحكم في العالم وخلق مرحلة إمبريالية جديدة... وإن إقامة نظام عالمي جديد هي صنيعة السبع الكبار وصندوق النقد الدولي والبنك العالمي والكاط. غير أن هذا النظام يعمل ضمن نسق غير مباشر للحكم، ويتضمن إدماج قادة البلدان النامية داخل شبكة الطبقة الحاكمة الجديدة...”.
إن البلدان النامية لا تقبل فقط ما كان يبدو منذ عقدين، كدور ثانوي في الاقتصاد العالمي، بل تدعم نظاما لا يمكن أن تلعب فيه بالفعل، سوى دور تابع... ويبدو كل هذا مخالفا بشكل غريب لخطاب سنة 1970، إلا أنه لا يبتعد كثيرا عن خطاب سنة 1900، فداخل القوى الإمبريالية القديمة، تسير الأشياء من جديد باتجاه الوضع القار القديم (النظام القديم). وتسمح “العولمة” مسبقا لـ 17 في المائة من سكان العالم الذين يسيطرون حاليا على 80 في المائة من موارد الأرض، بتعميق الفارق بين الشمال والجنوب، وذلك بنسب لا يمكن لأكثر من 5 مليارات نسمة تحملها. وبالفعل، فإن ما تمت “عولمته” حاليا هو، بكل تأكيد، الفقر والظلم الاجتماعي والرشوة والاستلاب الثقافي، وهو أيضا التضييق على الحريات والحقوق المدنية. فما هو الحيز المتبقي للديمقراطية داخل مجال غير ملائم، مجال تم تشكيله ورعايته من لدن “القوة العظمى الوحيدة” وأتباعها؟ ذلك هو السؤال الحقيقي والشمولي الذي يحتاج إلى العولمة. ويبدو اليوم أنه من المستحيل عمليا على كل بلدان العالم الثالث، الانخراط بشكل حر وديمقراطي ضمن عملية التغيير، دون مباركة “القوة العظمى الوحيدة” أو أي “قوة إقليمية ذات أهمية”. فعولمة الديمقراطية تعني تقوية آليات التوجيه عن بعد (أو المراقبة عن بعد) لضمان استمرارية أنظمة خاضعة، تنادي بالديمقراطية على المستوى الصوري، ولكنها تمارس الاستبداد عمليا بموافقة “عالمية”.
يقول الدكتور المنجرة في مستهل كتابه “لقد كنت متردداً في المشاركة في النقاشات حول “العولمة”، وما يزال تحفظي قائما إلى الآن. وكانت آخر الدعوات الموجهة إلي في هذا الإطار، وهي الدعوة التي رفضتها، قد وصلتني من المنتدى الاقتصادي الدولي، بخصوص الاجتماع السنوي بدافوس لسنة 1998. وكانت الدعوة مرفقة بالتعليق التالي: ما دمتم تحسبون على أولئك الذين يتحدثون باسم العالم الثالث، فأحضروا معنا ليشاطركم الآخرون وجهة نظركم.
لكن كيف يمكنكم القيام بتبادل لوجهات النظر من أناس ذوي آراء قطعية ونهائية، أناس عقدوا العزم على استخدام كل الوسائل الممكنة لجعل أولئك الذين يفكرون بطريقة مغايرة، يبدلون رأيهم؟.
إن الانشغال الوحيد “للداعين للعولمة” هو استقطابكم إلى معسكرهم، أما كيف ومتى وكم من المال سيصرفون مقابل ذلك؟ فتلك هي المسألة. واعتبر الدكتور المنجرة أن من بين المآسي التي تصيب العالم الثالث، كون جزء من نخبته، تتسع قاعدته أكثر فأكثر، أصبح معروضاً في “السوق” وخاضعا لإغراء هاته العروض.
إن الحرية والتقدم العلمي سيعانيان بشكل كبير، أثناء كل عملية مراقبة، مباشرة أو غير مباشرة، لسيرورة البحث عن الحقيقة. وفي الواقع، فإن هذه العملية هي أفضل وسيلة لتمهيد الطريق أمام الديكتاتورية والتوتاليتاريا. “فالعولمة” تشكل بقدر كبير، توتاليتاريا جديدة لا تعلن عن اسمها.
الكتاب: عولمة العولمة
المؤلف: الدكتور المهدي المنجرة
الناشر: منشورات الزمن ـ الرباط