تلك أيام مضت وزحفت نحو الخلف متراكمة في الذاكرة كغيمة المطر ولما يفتح الصندوق الأسود تجدها تتدفق كجداول تهيم في عرض الصحراء، تجدها كسطور كلمات تتيسر نحو عبارات مبهمة، وأحياناً واضحة كالشمس.
في شهر رمضان تقفز الذاكرة كأرنب مذعور إلى الواقع، وتحفر في الحياة مخابئي ما مضى كي تسفر عن المكنون، وها هي اليوم عند آخر النهار وقبل الغروب بدقائق تفتح الصندوق على صورة زاهية معبقة ببخور الأيام الجميلة صورة الأرجوحة وبين حبليها المعقودين على وتدين تخفق أنثى رائعة بفستان رهيف كما هو حرير جسدها، وكالبندول تأخذها الأرجوحة وتأتي بها، وهي جذلانة بهوى الأغنيات التي تطفو على شفتيها الورديتين كأنها ريق الغيمة عندما تتنفس وعياً بما يدور في خواطر البشر.
تأملت الصورة واستدعيت أحداثاً مرت كأنها الإنسان تمر عبر سعفات النخيل في عريش ذلك الزمن.
تأملت العينين مكحولتين ببريق يافع يمد شعاعاً إلى المدى، فتمتد عينا الشمس نحوه فيبدو في الحياة شهاب يرصع سماء الدنيا بالوميض ورونق الطبيعة اليانعة.
تأملت وتأملت وتفحصت وتمحصت وتجليت في تلك اللحظات وكأني رسام يحاول التقاط صورة مختلفة صورة استثنائية لأنثى فريدة.
يا الله كم هو الزمن ليس أكثر من لحظة الباقي ما هو إلا نفاية ذاكرة إنسان توقف الزمن لديه عند لحظة ما عند نقطة ما عند ومضة ما عند نظرة ما كانت هي القاصمة وهي الحاسمة وهي الجازمة وهي التي شكلت الذاكرة، بما تحمله من معطيات التعب الجميل ولمضة الحلم المزخرف برونق المنمنمات على قباب الجمال السماوي.
عندما غاصت الشمس في اللجة واختفت الأرجوحة شيئاً ما لمحت صورة الأنثى تودع النهار سعياً إلى ليلة جديدة فيها يكبر الحلم كما تتسع حدقة الأفكار ويهيم المعنى في غابة الصور والأحداث، ولكن الأجمل في كل ذلك صورة الأنثى، وهي ترتب مشاعر الكون عبر أغنيات يلتهب لها قلب المجني عليه في لحظة اغتيال الابتسامة، ويعود ثانية مكللاً بالفرح فقط، لأنه استعاد خلال الحلم صورة كانت في الأصل واقعاً وتحولت بفعل فاعل إلى مجرد حلم فأيقن المتأمل أن الأحلام هي الأجمل لأنها من صنع العقل الخارق هذا الماكر الداهية هذا المبدع والبليغ في صياغة الجملة كما أنه الماهر في صناعة الصورة.
عندما أغلقت ستارة الذاكرة، واتضح للمعنى أنه مجرد حلم صادق واستدار ناحية الواقع ولم يرَ الأرجوحة لأنها تلاشت مع تلاشي العشاق الأقدمين.
اليوم عندما يطل الشهر الكريم عندما يرفع أذان المغرب تفكر قبل الإفطار بذلك العريش، وتلك الخيمة هل لا تزال حبال الأرجوحة تبعث بصريرها المدوي إلى حيث تكن آذان الجميلات تفكر لماذا تختفي الأشياء الجميلة دون إذن من تلك النجمة حارسة الليل، فإنها بطبيعة الحال ستقول نحن في بلد الأفراح وهذا ليس أوان اختفاء كل ما هو جميل وكل ما يعبر عن روح الحياة العفوية الرائقة.


