هكذا حين نودع أحداً من رائحة الزمن الجميل، كأنما ننعى ذاكرتنا التي نخاف عليها من الضياع حين يرحل الجميلون بأشيائهم الغالية والطيبة مثلهم، وفي شهر مايو المنصرم، والذي لا نحب أن نتذكره؛ لأنه ما انقضى إلا برحيل الكثيرين ممن نحبهم ولهم معزة، وحضورهم له مسك الطيب، وذاكرتهم تحيي المكان، وتسعف الناس على التذكر والحنين واستحضار البسمة التي كانت، والضحكة التي مرت، وتذكر الدفء، والظل، وأشياء كثيرة كانت تمنح القلب فرحاً من نوع آخر.
آخر الراحلين في عقب ذلك الشهر المُرّ الذي مرّ «مريم بنت ناصر»، تلك التي وعيت على هذه الدنيا، وهي صغيرة تكبر في بيتنا يرعاها أبي مع أخيها، ابني عمي ناصر الذي بغيابه المبكر، سيهبني والدي اسمه كابن بكر له، كانا يكبراني بخمسة عشر عاماً، وكبرت معهما، ورعياني بالمودة، وحين غادرا منزلنا بزواجهما سيصبحان من لحظتها ليسا ابني عم، إنما سأسمي كلاً منهما عمي وعمتي.
«مريم بنت ناصر» كان مقام عزائها بجانب عزاء «مريم الكندي»، زوجة أول من علمنا القرآن، ودرست على يديه مبكراً في العين المرحوم «سالم الكندي»، هناك أشخاص لا يمكن أن يغيبوا عن العين والذاكرة، دائماً ما يتراءون لك هنا أو هناك أو تحضرهم المواقف، ولحظات الصدق، وتذكر الود، هكذا هي «مريم بنت ناصر» امرأة من وقت، وصبر وجلد، من أولئك النساء اللاتي تعدهن بعشر رجال ويزيد، غاب الزوج إبراهيم طيب القلب، والروح المرحة بالقلب، فصبرت وربّت، قدمت ابنها «سعيد» شهيداً، ففرحت وصبرت، وابنها «يونس» في طريق أداء الواجب، فغدت قوية بالصبر وأكثر، وقبل سنوات رحلت ابنتها الوحيدة بين صفوة رجال جلهم تسموا بأسماء الأنبياء والمرسلين، فكانت دمعتها حينها أكثر ما يوجع القلب، ويجرح مجرى الدمع، ومسلك الصوت، لكنها كانت تقوى مع الأيام، وتتذكر كل أولئك الجميلين الذين مروا في حياتها، وتذكرهم بالخير، فقد بكت مرات كثيرة من قبل ومن بعد، الأب، والأم، والعم، وزوجة العم، وزوجة الأخ، والزوج، وجارات من ذاك الزمن الجميل، وجيران مثل الإخوة وأكثر، وثلاثة من الأبناء، لكن «مريم بنت ناصر» هي.. هي، ضاحكة، وتساير الناس، وتزورهم، وتصلهم في السراء والضراء، لكنها وحدها من كانت تحتضن أحزانها، وتخبئ دمعة ساخنة آخر الليل.
كانت تقول لي: «متى ستكتب عني يا ابن عمي»؟ فأتحاشى النظر إليها؛ لأنني كنت أشعر بأنني سأودعها إن كتبت عنها، فأعدي ذاك الطلب بضحكة، لكنها قد خزّت القلب بطرف ثلم، وهناك حادثة ظلت تعتذر عنها حتى حين كبرت، فقد كنت أرافقها في ذاك الوقت السمح، والجميل والبدائي بأشيائه، حين كانت العين مراغاً، ومرعى، وسيوحاً ممتدة بالخير والماء والكلأ، كانت صغيرة، وكانت تصحبني معها حين تخرج لرعي الغنم، كنت أستمتع بذاك المشهد البدائي الذي ظهر مع الإنسان الأول، واستمر عبر الأزمان وفي مختلف البقاع، ومع الإنسان طويلاً وكثيراً، مشهد المرعى الذي لا يزال جميلاً ومدهشاً حتى اليوم، ويسحبني معه لتلك الذكريات البدائية الأولى، وفي مرة من المرات ربما انزلقت قدمي، وربما أفلت من يدها، وربما ذاك الفضول الذي سيستمر معي، وسيسقطني في أماكن مهجورة ومغمورة مثل بئر المطوعة، حينها لا أدري، أكنت أنا السبب أم مثل ما لامها الأهل والجارات أنها أسقطتني من علو إلى «صرم برقاد» في «الربينة»؟ فقط الذي أتذكره الآن أنني أصبت بالحمى لثلاثة أيام، ونزعوا شوكاً كثيراً من الظهر، ولحظات من الأمومة والأبوة من كل الناس، وأن هناك علامة غائرة أسفل الذقن، ما زالت بائنة، رغم سنوات الرجولة، الآن هي أجمل ذكرى من الغالية «مريم بنت ناصر» جعل الله مثواها جنان الخلد في منزلة ابنها سعيد الشهيد.


