بقيت الهند تصلي له منذ أسابيع في رقدته الأخيرة، وكذلك حال كل محبيه حول العالم، لكن رثاء رئيس وزراء الهند «مودي» بالأمس بأن وفاة «دهرميندرا» بمثابة انتهاء حقبة جميلة في السينما، والهند لم تمنع قيام الصلوات واستمرارها من أجله وبألسنة كافة طوائف الهند.
قصتي أو قصة مجايلي معه، أن رحلاتنا الكثيرة إلى الهند كانت تأتي إما بتوصية من «الشواب» الذين خبروها قبلنا، وذاقوا فيها طعماً آخر، وشاهدوا «طماشتها» وإما لأنها الأشهر والأرخص والأقرب، لكن بالتأكيد كان جزء منها من أجل أبطال السينما الهندية، ومشاهدة الأفلام أثناء التصوير «شوتنج» والذي يجعلنا نجلس ساعات طويلة من النهار نستمتع بعمل في بدايته غير ممتع إطلاقاً، فالممثل يظل يعيد أحياناً الجملة عشر مرات، وتصوير بعض المشاهد تتم إعادتها أكثر من مرة، رغم أنها مشاهد متقطعة، وقصيرة، ولا يمكن أن تفهم منها شيئاً أو يمكن أن توحي لك بقصة الفيلم، العمل السينمائي أثناء التصوير أشبه بأكل عجينة لم تلمسها النار بعد.
كانت لنا بعض الميزات حين نحل ضيوفاً على بطل الفيلم نشاركه غرفته، ونتبادل معه أطراف الحديث في استراحته، ونتغدى معه، مثل «دهرميندرا»، ومن طعام بيته، هذه العلاقة التي بدأت بإعجاب في الصغر ببعض هؤلاء الممثلين تطورت فيما بعد من خلال تلك الرحلات والزيارات لـ«تابلوهات» السينما، وتردد نفس الممثلين على الإمارات لاحقاً.
في الصغر كنت معجباً بالممثل «دهرميندرا» و«اميتاب باتشان» في المقام الثاني، فقد درجنا أن نتسمى بأسماء هؤلاء الممثلين، ونكتب أسماءهم على سياراتنا، ونعلق صورهم في غرف نومنا، وداخل خزائن ملابسنا، ونتشاجر حولهم، ونقلدهم، ونتسابق على رؤية أفلامهم، وتتبع أخبارهم من خلال مجلات فنية هندية كانت تباع بقرب دور السينما المكشوفة، مثل سينما الماريه والفردوس، والوحيدة المغطاة هي سينما الخضراء بالقرب من فندق زاخر القديم، قبل أن تأتي سينما الدورادو كصالة عرض فخمة ولا تقدم إلا الأفلام الأجنبية فقط.
كانت تلك المرحلة العمرية لا تسمح بمغامرات أكثر من حب السينما والتعلق بما نشاهده من أفلام كثيرة ومتنوعة، ورغم إحساس البعض أنها كانت مضيعة للوقت، لكني أجزم أنها وسعت الخيال، ومنحتنا فرصة التجوال في المدن، وحب المغامرات، والتجريب، وعلمتنا مفردات الحياة، وحتى إجادة اللغة الهندية.
لكن حين اشترك هذان الممثلان في أجمل فيلم في تاريخ السينما الهندية «شعلة» زاد تعلقي بهما، ولا أدري كم مرة بعد العشرين شاهدت هذا الفيلم التحفة على سنوات متفرقة، وفي أماكن مختلفة، واليوم حين أراه أتذكر كم عانيت لكي أحظى بتذكرة دفعت فيها أضعافاً مضاعفة لمشاهدة عرضه الأول في تلك القاعة الأسمنتية المكشوفة، وأتذكر الأماكن المختلفة التي شاهدت فيها الفيلم، في حين ظلت أغنية الفيلم تشجيني كلما سمعتها، وتذكرني بدموع صديق غائب.
اليوم هذان الممثلان العملاقان كونا أسراً فنية متعاقبة، وأصبحا جدان، وما زالا متألقين رغم تقدم العمر، ومحافظين على وسامتهما، وما برحا إنسانيين، كما ينبغي للشخص الإنساني النبيل والشريف، بعيدين عن أي تعصب في بلد قابل للتعصب لأي شيء، يكفي أن تعرفوا أنهما يقيمان موائد لإفطار الصائمين طوال شهر رمضان حول منزليهما، وحتى في الأوقات المختلفة، يصعب أن تمر بدار «دهرميندرا» ولا ترى الغاشي من الناس الفقراء والمحبين والفضوليين، بقي هذان العملاقان غير مقتنعين أن التعصب بأشكاله يمكن أن يفصل إنساناً عن محبة ومساعدة الآخر المغاير.
بالأمس تذكرت تلك الأغنية في فيلم «شعله»، وهي تُصفرّ مع الريح، ناعية غياب صديق شريف؛ «ييه دوستي..».


