في عيني كتاب، وفي رأسي فكرة تجللها خلابة المشهد في مهرجان العين للكتاب، هذا المشهد في قلب مدينة ترفل في الصباح بهواء ناعم مثل نعومة الكفوف الريانة، وفي المساء، ترعى المدينة خطوات الذين يتابعون ظل الكتاب بين أجنحة كأجنحة نسور حطت رحالها عند بستان وجدول. هنا في العين، تجد نفسك تكتب على الرمل، وأنت تتهجّى الحروف الهجائية لأسماء كانت هنا واليوم قد رحلت، ولكن ظلالها لم تزل تجول في المكان، وتفتح نوافذ اللقاء على المرئي من حياتنا، واللامرئي، وهذا هو المشهد مكلل بوجه وعطور، وكعوب تطرق أبواب الأرض بترف وبذخ الكتاب المنعم باحتفاء لا مثيل له إلا في مشاعرنا الفياضة بما تجيش به من حب للكلمة، والمعنى المحرض للكتابة. 
العين باردة، وفي القلب حمرة لظى لا تطفئها قطرات الماء، وإنما الكلمات عندما تكون ذات مغزى تطل على الفؤاد، فتنفر زجاجته فيصحو، ليرسم صورة الإنسان عندما يعشق الكلمة، فتصبح له خيمة، تظلل مشاعره، وتمنحه الدفء، تمنحه الحرقات اللذيذة. العين الباردة، تمضي في الدنى، ومسافة ما بين الرمش والرمش، تمضي حقباً ترتل تفاصيلنا، وتحت الأضواء الخافتة، يحن عصفور يتيم، إلى نغمة من لسان عربي فصيح، وآخر يغرد، وينادي ألفة الأعشاش، فتأتي النسمة بعطر أخف من ريشة دفعتها الريح كي تبحث عن مكان في هذا العالم، لا تزعج فيه الغربان، فراخ العصافير. 
العين الباردة، والمعنى في الليل يبحث عن عين ورمش، يبحث عن لغة تجري على لسان الطير، فتحرك مهج الأشجار، وتغير من معالم السماء، وشكل الأقمار والنجوم. أمسكت ذات مساء في مهرجان الكتاب في العين، بطرف كتاب، وقرأت قصيدة، كانت مثل جدول ينساب من علو شاهق، وقرأت مرة أخرى، فكانت مثل خليج تعبر منه قوارب الحلم البهيج، وقرأت مرة ثالثة، فرأيت صورة الصديق المرحوم ثاني السويدي، مرسومة على كلمة وسطر، ووجدت نفسي أشعر بفقدان كل ما اختزنه من صورة، إلا صورة هذا الشاعر النبيل، وجدت نفسي أصعد أحد جبال رأس الخيمة، وأصرخ، قائلاً: أيها الشاعر النبيل، لقد طال الغياب، فانهض سيدي، انهض، وقل لي كيف هي القصيدة، ألم تذكر ذات مرة، أن القصيدة هي جسر للوصول وليس مكاناً للتوقف، ولكنك وقفت سيدي، وتركت قصيدتك تبحث عن نهاية غير مأساوية، نهاية تعبر عن وحدة الوجود، وما الموت إلا رسالة شفهية للعالم مفادها أننا في الموت نكتشف ذواتنا، كما تكتشف الأشجار ثمراتها عندما تسقط على الأرض، وتعود ثانية للنمو، وهكذا. 
العين الباردة، ومهرجان كتابها، يطوي عباءتها، ليعود ثانية في استدامة أخلاقية لهذا الصديق الوفي، وأوراقه الندية بقطرات الحبر، وندف عرق المبدعين. العين الباردة، وفي طيات الكتاب دفء الكلمات، وأحلام ما بين السطور تبدو مثل رموش كحلها أسود، وبريق مقلها أبيض كالصباح في العين، وكالمساء في عيون اللابسات من الحرير جلبابا.