هذه المرأة، مرت من هنا، من محطة التاريخ، من زمنها المتألق بخوض المرأة غمار الحياة بحيوية وجهاد، وكفاح من أجل لقمة عيش لا يشوبها غبار، ولا يكتنفها ذلٌّ، هذه المرأة كانت في الزمان فراشة تحط على وردة الحقول، فترتشف الرحيق، كي تسقيه أحبابها، وفلذات كبدها الذين ينتظرون في البيت عودة الحضن الدافئ كي يحضنهم، ويدفع عنهم أذى الوحدة وجفاف العاطفة. 
هذه المرأة كانت في الأسرة، محوراً، وجوهر عطاء، وقوة دافعة لبناء خلية أسرية واعية لدورها، منتبهة لمسؤوليتها الأسرية والاجتماعية، وهي الالتزام الأخلاقي الذي يجعل من أي مجتمع منزل نمو ورقي ونهوض وتطور. 
هذه المرأة بنت قناعاتها بأسس فطرية قبل أن تستمع إلى محاضرة مؤدلجة، ولا درس محفوظ عبر الأفواه بالغة التزلف، خرجت من أحشاء مجتمع عرف الأولويات بداهة، وفهم البدهيات بعفوية، وسار على درب الحياة يحمل في الثنايا حبه الأول، ألا وهو الأسرة، ويأتي الوطن في قلب الأسرة، وفي كبد حقيقتها، هذه المرأة تعلمتْ كيف تطهو طعام أطفالها، وكيف تعتني بنظافتهم، وكيف تحميهم من برد العاطفة، وكيف تحررهم من خوف الفراغ الوجودي، وكيف ترعى تطلعاتهم نحو الشخصية المتكاملة، ذات معطف الرزانة، هذه المرأة عملت وزرعت وحصدت وتاجرت وصنعت سفرة، ومروحة نسائمها، وبرقع فضيلتها، ومكنسة نظافة بيتها، هذه المرأة جلبت ماء الحياة على رأسها، ليرتوي الأبناء، ويسكن روع الزوج من جفاف بئر الفناء الكبيرة.
 هذه المرأة قطعت مسافات، وعلى بعد كيلومترات، وفي عرض الصحراء اللاهبة، وفوق صخور مسننة، كل ذلك من أجل حطب المواقد، ومن أجل عريش الصيف، وخيمة الشتاء، هذه المرأة لم تدخل سوق العمل فجأة وفي مرحلة عصرية جديدة، بل هي عرفت العمل منذ نعومة أظافر هذا الوطن، ومنذ أن فتحت عينيها على الوجود وهي تبادر بمهارة أنثوية في صنع مستقبل الأسرة، وبناء أفنيتها من طين المحبّة، ومن رمل الشفافية، من كل ذلك وتضيف عليها رغبتها الجامحة في الإمساك بالمستقبل بأيدٍ من إرادة النخلة الباسقة وعزيمة تاريخ جلل المرأة بوشاح حب العمل، وحب الحياة، وحب الأسرة، واليوم ونحن نقبل على قرن في جعبته الكثير من منتجات العقل الحديث، وفي تلافيفه يكمن إصرار المرأة على تقاسم المشتركات، وعدم ترك القافلة تمضي وهي جالسة على حصير انتظار ما لم يأتِ. هذه المرأة أغنت الأسرة بحنان ملؤه أغنيات الصباح، وحكايات الليل وسر النهار، حين تكون راية الشمس ساطعة، والعصافير تغرد باسم شجرة خالدة، اسمها امرأة، هذه المرأة تملأ اليوم صفحات التاريخ حروفاً من ذهب، وعلى صدر الوجود كتبت «نحن هنا»، وقد كانت وما زالت تكوّن، وتنشئ فريقها كامل العدد للمشاركة في البناء والتشييد. 
هذه المرأة فعلاً لها لمعة النجمة، ورفاهية الغيمة، وبياض الموجة، وسحر الليل، ورهبة النهار، هذه المرأة، أعجوبة وطن صنع الإنسان، كما صنع قيمه العالية، كما أنتج نساء لهن في الحياة رونق الفراشات والوردة.