أغلب الناس في العادة يميلون إلى التفاؤل، خاصة المرحين، ومحبي الحياة، والعشاق، وأصحاب المهن الإبداعية الراقية، وحدهم ذوو الوجوه المُدخنة يعكرون سماءنا، ويسودونها في وجوهنا، ولا تسمع منهم إلا لعن الحظ، وسب الدنيا، وذلك التأفف مثل نار تخرج من صدر تنين خرافي، آخرون كثيرون نضفي عليهم صبغة الثقافة، وحكمة التحليل السياسي، وتلك الفهامة، يتحفونا بتلك النظرة المتشائمة للأمور، وذلك الظلام القادم من آخر النفق، كثيرون من رواد المقاهي من بقايا الموظفين العموميين، والمتقاعدين لا يبشرون بخير في نظرتهم المودعة، وفي الخراب القادم للعالم، أما محبو النكد، فلا يستبشرون بغد اقتصادي مزهر، ولا بحل لمشكلة الشرق الأوسط، وأن الانفتاح على العالم سينقلب على رؤوس الفرحين، وسيشهدون صيفاً ساخناً، وشتاءً ماطراً، وأن حرباً كونية قادمة لا محالة، ولو حاولت أن تخرجهم إلى منطقة المرح، وركزت على سؤال يخص هيفاء وهبي، ومستقبل الفن، سيتنهدون، ويجرّون الآه، تحسفاً على فن زمان، وأهل المغنى زمان.
لكن الحقيقة أن الطرفين تخيم عليهما النهايات المتفائلة أو النهايات المتشائمة، فيحكمون على الأمور بخواتيمها، لا على الأمور ومجرياتها.. فهل الأمور كما يراها الرومانسيون والمتفائلون، والذين يميلون إلى أن يضفوا ألواناً مزهرة على الحياة؟ أم أن المتشائمين بواقعيتهم المُرّة أقرب إلى الحقيقة، وأبعد عن الأحلام الطائرة في الغمام؟
برأيي وأنا لا أميل لأن نجد طبقة وسطى بين المتشائمين والمتفائلين، كما سماهم الروائي الفلسطيني أميل حبيبي «المتشائلين» لكي نمسك العصا من الوسط، ونكون وسطاً في الأمور، فهذا أقرب لذلك الجواب الصبياني الساذج لسؤال المُدرسة البلهاء، من تحبين يا ساره أكثر أمك أم أباك؟ فترد الطالبة المرتبكة: أحب بابا وماما!
في بداية كل عام جديد أستمع لكثير من المحللين والمثقفين والسياسيين المتقاعدين، والأكاديميين، والذين يرغون ويزبدون أمام ميكروفونات التلفزيونات وعدساتها، فوجدت نبرة حزن مخفية تكاد تخرج مع بحة الصوت، ونظرة تشاؤم لا تخطئها العين في ذلك الانكسار لرقبة المحلل، وذاك الضيق البادي على وجه المثقف، والكلمات الودائعية للسياسي المتقاعد، ونظرات التيه والشرود على وجه الأكاديمي، وأتساءل من أين جاءت انطباعاتهم تلك، هل هي عن دراية، وقراءة متمعنة؟ أم هي نفوسنا المتعبة والإسقاطات التي نرميها من خلالها على الأشياء؟ وفي المقابل هناك قليل من طرب لمقدم يوم جديد، ويراه بأن يكون سعيداً، وكثير من قلق وتربص بمقدم يوم مُغبَرّ، ويراه الآخر بأن يكون مبهماً، وحين هممت بفرزهم وجدتهم؛ إما مثل فنانة خفيفة عقل، ولا حظ لها من التعليم، ولا تفقه في الاقتصاد إلا سلة العملات، وإما مثل شاب صغير متزين مثل مراهقي الأفلام السينمائية، ويعشق «من بدري»، وإما من جيل متشابه يحادثك، وأصابعه على أزرار صديقه الوحيد «موبايله»، وإما من ذوي الحلول التوفيقية مثل: «والله أتمنى الخير لكل الشعوب..»، «وإن شاء الله يعم السلام كل العالم..» أو «ربنا يوفق الجميع..»!