كم كان مهمّاً صندوقُ البريد في الزمن البعيد، وكم سُطِّرت فيه الأشعار والقصائد والأغاني والأناشيد، كم كان صلةَ الوصل بين الأحباب والأهل والعاشقين، وكم كان الضوءَ والفرحة والأمل في وصول الأخبار والمعارف وتقريب المسافات! كان مهمّاً جدّاً وشريانَ الحياة والتواصل، وكان من يملك صندوقَ بريد يملك مفاتيح الوصال بين أحبّائه، أهلِه، العالمِ الخارجي، إلى جانب المعرفةِ والاطلاع، من خلال تلك المنشورات والمجلات والجرائد، التي تأتي من بعيد، فقط عليك الاشتراك في صنوف المطبوعات وتصل إليك حتى لو كنت في أقصى البلاد أو خلف البحار والمحيطات. عرفنا كل المنشورات والمجلات والجرائد التي تصدر في القاهرة وبيروت، عبر هذا البريد الذي يحمل إلينا ما أنتجته المطابع هناك، وأيضاً كان الأهم في قناة التواصل مع المحبين والأصدقاء في كافة الأقطار والبلاد البعيدة، وفي ذلك الزمن البعيد، كان أهم الزوايا في المجلات والجرائد باب التعارف والمراسلة.
كان أيضاً واجهةً ووجهةً ثقافية وفنية، من خلال الإصدارات والطوابع، التي كان لها الدور الأكبر في التعريف بالحياة والأماكن التاريخية والثقافية والفنية، وكذلك التعريف بالبلاد ومرافقها السياحية والبيئات المختلفة.
طابع البريد عالم آخر في نشر الثقافة والمعرفة، لذلك له قسم خاص للتعارف وتبادل الطوابع في كل محطة بريدية، له عشاق ومحبون في فن التعارف والتبادل والحصول على الإصدارات النادرة، التي تخدم الثقافة والفن والمعرفة، وأيضاً معرفة الحياة البيئية والتعريف بالتاريخ وما سطَّره الإنسان من إنجازات مهمة في مسيرة الحياة.
قد يبدو عادياً الآن للبعض الذي لم يتعامل مع حركة المراسلات والتبادل المعرفي والتعارف عبر صندوق البريد، بحكم تطور وسائل الاتصال، وقد لا يعني شيئاً مهماً بالنسبة للأجيال الجديدة في هذا العصر، الذي عظُم فيه التواصل، واختلفت طرق النقل والسرعة المطلوبة في تحقيق الأهداف.
الطابع البريدي مدرسة كبيرة لذلك المثقف الواعي بأهمية ما يقدم من أعمال مختارة وثقافة رفيعة يحملها طابع البريد، هذا الطابع الصغير، الذي يُلزَق على حافة الرسالة، هو صفحة ثقافية وفنية، يقدم المهم مما يميز كل بلد وقطر في هذا العالم.
أتذكر، عندما كنت طالباً في المرحلة المتوسطة والثانوية، كنت أعمل في الفترات الصيفية في البريد، كانت فرصة كبيرة للاطلاع على أهمية هذا البريد وأهمية صندوق البريد للناس جميعاً، كانت أعداد كبيرة من الناس تأتي لتحمل الطرود والرسائل بفرحة كبيرة وعظيمة، وكأنها تحمل جائزة عظيمة، في ذلك العمر الصغير، حصلت على رقم صندوق البريد، كانت فرحتي كبيرة جدّاً، مازال ذلك الرقم والصندوق معي وسوف يرافقني مدى الحياة.