يمكن أن نسمي بعض المهن بالمهن القاتلة أو مهن لا تعرف الوفاء، وتشكل في الحياة تناقضاً في نهاية غير متوقعة لأصحابها، ولغزاً من كوميديا سوداء للآخرين، فكثيراً ما قتلت بعض المهن أصحابها، كأن يموت سبّاح من الغرق أو إطفائي في حريق أو رجل مرور في حادث سير أو جراح في غرفة العمليات على يد جرّاح آخر أو مهندس يسقط عليه منزله الذي صممه بفرح، تبدو تلك الأمور أحياناً من الفانتازيا أو الغرائبية، مثل حداد صنع سكيناً لشخص فقتله بها، لذا وصفت الشعوب تلك الحالات في حكمها مثل: من مأمنه يؤتى الحذر، والبحر يودي بالبحّار، وجزاء سنمار، وغيرها من الأمثال.
شخصياً أعتقد أن بعض المهن لها خصوصية الخطر أو أن الخطر كامن فيها، لا نعرف متى يأتي، ومن أي جهة، وفي حين غفلة، كأن يقتل طيار في تحطم طائرة، سواء أكان قائدها أو راكباً عادياً على متنها، لكن مهنة بائع الورد، مثلاً، لا يمكن أن يدخل في طبيعتها فعل الموت، وساعة الخطر، لأنها مهنة تتغنى بالحياة، لذا نادراً ما ستجد أن بائعاً للزهور لقي حتفه عند باب محله، بسبب شوكة أو بغية نهب محتويات محله أو أن باقة ورد باغتته في ساعة سهو، وعجلت بحتفه، مثله مثل مصلح الساعات في كشكه الذي يتسع لرأسه فقط، وعينه القابضة في محجرها على نظارة صغيرة مكبرة.
الحداد يمكن أن تشكل المطرقة أو النار خطراً على حياته، البنّاء يشكل العلو وكتل الأوزان خطراً على حياته، النجار قد يقتله مسمار صغير أو أسنان تلك المعدات التي تعتدي على الشجر دون رحمة، لاعب السيرك عدوه الحقيقي لحظة سهو أو غفلة منه أو من بقية اللاعبين، السجّان أو الحارس مقتله وعدوه النوم، الكهربائي يأتي موته من مهنة اللعب بالأسلاك الملونة في لحظة من عمى الألوان.
وإذا كانت بعض المهن يكمن الموت في ثناياها، فبعض المهن يكون الخطر والهلاك بسببها، كأن تعمل مصرفياً، كل مهارتك الحقيقية تنحصر في عد النقود، وعدم الوقوع في الخطأ، فيأتي من يريد سرقة أموالك وسرقة روحك.. كأن تكون صحفياً، فيجرّ عليك قلمك الحر، وموقفك الشريف، رصاصة من غادر أو خنجراً من خائن.. كأن تكون قاضياً غير قابل للرشوة فتصفيك عصابة السرقة والمخدرات.. كأن تكون مصوراً للأحداث فتلمحك عين ورصاصة قنّاص.. كأن تكون حكماً بين ملاكمين في الوزن الثقيل فيختلفان منذ البداية، ولا يتفقان إلا عليك وعلى عظامك.
بعض المهن يكون الموت ملاحقاً لأصحابها لأنهم كانوا بسبب تلك المهنة في المكان الخطأ والوقت الخطأ، كأن تكون لاعباً للكرة، وتأتي صاعقة من السماء، فتنتقيك لوحدك من ذلك الملعب الكبير.. أو تكون مشجعاً جالساً في منصة تغص بالألوف، وتأتيك شظية من ألعاب نارية أخذت دورتها في المدرجات لتستقر في حضنك أو أذنك، كأنها تبحث عنك لوحدك.. أو عاملاً فرح بطهارة الماء بعد يوم شاق في الهواء الطلق، ويسقط خزان الماء عليك.. كأن تكون ميكانيكياً تحت سيارة مرفوعة تصلحها، ويأتي صبي عابث أو يتدرب ويحرك شيئاً فيها فتنزلق جالبة النهاية المفاجئة.. كأن تكون متشرداً بوهيمياً، وتنام كعادتك تحت جدار برلين، دون أن تدري أنها ليلة سقوطه مثلاً!