عندما يسيطر الغضب على الإنسان يفقد سيطرته على التفكير العقلاني، ويصبح ذا شجاعة خالية من المنطق ومشحونة بتفاصيلٍ تُقدّمها الذاكرة كخدمة مجانية. هذا الفخُّ يقع فيه الكثيرون؛ لأن الغضب يجعلنا شجعاناً وأقوياء نسرد تلك التفاصيل التي بها تاريخ وأسماء لأشخاص وصور ذهنية لمواقفٍ لن يكررها الزمن، والأهم من كل ذلك بها أسرار أقسمنا على حفظها إلى آخر يوم في حياتنا وأقنعنا أصحابها لبوحها قائلين: «سرك في بير» ولم يكن يعلم أن البير سيسقي الفريج كله، ذات يوم. هناك من لا يستطيع التغلب أو التحكم في مشاعره لأن النضج الإنساني المطلوب أصبح من أخوات كان وأخص منها بالتحديد صار. 
في تحليلي المتواضع أعود إلى الماضي، فقد كان والدي بالخير كثير الابتسام، لطيف التعامل، وعندما يزوره الغضب كان يكرمه بالصمت المطبق، فيحلل أسباب وجوده ويضع مخططاً واضحاً للتخلص منه بأقل الخسائر، وأكثر الأرباح، والربح الذي كان يبغيه هو أن لا يكون هناك زعل أو فراق أو عدم انسجام بين الأطراف المعنية. كان يجلس لساعاتٍ طويلة مع زائريه، وكم كنت أتمنى لو أني سمعت ما كانوا يقولون، ليس فضولاً مني لمعرفة «السالفة» بحد ذاتها، ولكن بقدر إمكانية التعلم منها. استذكرت قصة معركة «ذي قار» التي كانت بدايتها عندما غضب كسرى ملك الفرس من النعمان بن منذر ابن ماء السماء، الذي لم يقبل بتزويجه ابنته (وسار جداه بروحه ورمس رمسة ما عجبت كسرى ويقولون إن الملك نش وزغده بحبل ناقته لين ما فارق الحياة، وتقول الرواية إنه من هذيك التيافين لبس العرب الحبل فوق رؤوسهم تخليداً له، وسموّه «العقال» وباقي السالفة عن المعركة فيها تفاصيل وايده وتستحق القراءة). في هذه المعركة قال هانئ بن مسعود مقولته الشهيرة: «اجعلوا حصونكم سيوفكم، فإن البيوت تُهدَم، والكرامة لا». وبذلك نهضت العزائم وعندما تشابكت السيوف، انتصرت النوايا والهمم، فهي معركة خالدة لم تُكتب بالدم وحده، بل كُتبت بوفاء هانئ بن مسعود لوصية النعمان وما ائتمنه إياه من مالٍ وحلالٍ وولد.
للعارفين أقول، من حياتنا اليومية وذكرياتنا وقيم آبائنا وأجدادنا والحضارة العربية العريقة نتعلم تاريخاً يروي قصص البدايات والنهايات وهي لا تخلو من الدروس والعِبر. وكما يقول جلال الدين الرومي: «الغضبُ سمٌّ، والصبرُ ترياقه.. ومن ملكَ نفسه لحظة الغضب، فقد امتلك العالم».