مرات يشعر الإنسان بساعات من الطفو أو ساعات من الانطفاء، لا يريد أن يستيقظ من ذاك الخدر الذي تشتهيه النفس لكي تتصالح مع بعض الأشياء في الحياة.
قد لا تعرف أنت مثل نفسك تلك الأشياء، ولا تقدر أن تسمّيها، ولا تعددها غير أنها أشياء تطفو على الصدر، ربما خاتلتك في غفلة منك أو ربما سكت عنها متعاملاً معها بهزيمة الحيلة، لكن بعد مدة إما تضجرك وإما تبعثرها بالبوح أو ترميها بكل أثقالها خارج نافذة القلب، وتقول: الآن استرحت!
قال لي صديق صدوق مرة: نحن من نسمح للمتعبين أن يتعبوا ساعاتنا، ونحن من نسهل للعابرين بطيبتنا أن يعبروا على أجسادنا، ويحكموا الكثير من أوقاتنا، ويحطموا أشياء مبهجة في حياتنا، فكر مرة، وقل بقسوة: «لا» سوداء، لا «نعم» ملونة!
كم هو جميل ذاك الصديق الصدوق في أيام الطفو هذه، وكم تحتاج لمثل تلك الـ «لا» السوداء، لتجعل من زهور حديقة حياتك فرحة وملونة بالخير والإحسان فقط.
في أيام الطفو هذه، تتمنى لو أن كل الساعات ساعات نهار، تحاذر من الليل والظلمة وتلك الأضواء المصطنعة التي توقظ العين فقط، لكنها تجلب للروح الكثير من العتمة، تستغيث بالشمس، وتركض خلف ظلك الناجي لكي لا يغيب عن العين فجأة، لأنه يشبه ذاك الصديق الصدوق.
مرات كثيرة في أيام الطفو ترد عليك أسئلة مبعثها النفس الأمّارة بالحب، وتقول: لِمَ يقسو الناس على القلوب الرحيمة المنذورة للخير؟ لِمَ يداس عشب حدائقهم الأخضر بوقع أحذية ثقال؟ لِمَ ذاك النسيان للمعروف، ولحظات من السعادة أدخلتها على نفوسهم التي ترمي بشرر؟ لِمَ عذابك دوماً هي تلك الـ«نعم» الملونة؟
في أيام الطفو هذه تحلم ببحر أزرق ممتد حد النظر، وسفينة مبحرة، ونوارس تشاغب فطورك الصباحي في شرفتك البحرية سارقة شيئاً منه، وأنت تضحك، أن تضمك جلسة عجائز لم يتقاعدن من متع الحياة، ولا من تلك النميمة وقت الظهيرة، ولا من بهرجة الزينة في الوقت الضائع، تفرح لأنك في ذاك النهار المحبوس بطوله في السفينة المبحرة أنك جعلت من قلوب عجائزك تتراقص متذكرات ذلك الفستان الصيفي المشجر عليهن بألوان زهور شرفاتهن، وأقدامهن الخفيفة، والعمر الذي انقضى بسرعة لم يعرفن كبحها، ورجال كانوا يقولون لهن كلمات وأغانٍ من ورد وعطر أكثر.
تتمنى وأنت في تلك السفينة المبحرة ليلاً من غمام السعادة، وبهجة النفس الطاهرة كالذي عشته مرة في مدريد، ومرة في باريس، ومرة في جنيف، ومرة في بيروت، ومرة في غرناطة، ومرات في القاهرة، وأكثر من مرة، ومرة في مدن المغرب الزاخرة بالحكايا، الساحرة بظلال النور.


