في كل يوم، تقدّم الإمارات الدليل تلو الآخر على يقظتها، وجاهزيتها، وإمساكها بزمام اللحظة حين تضطرب الأزمنة وتختلط الاتجاهات.
الجديد هذه المرة، هو ما أعلنه جهاز أمن الدولة عن تفكيك تنظيم إرهابي والقبض على عناصره، الذين كشفت التحقيقات ارتباطهم بـ«ولاية الفقيه» في إيران، حيث قاموا بتنفيذ عمليات استقطاب وتجنيد، عبر لقاءات سرية، وفق مخطط منسق مع جهات خارجية؛ بهدف الوصول إلى مواقع حساسة.
لا يمكن بأي حال، أن نقرأ هذه العملية النوعية في سياق أمني ضيق؛ لأنها تتجاوز ذلك بكثير، كاشفة عن معادلة أعمق، تتقاطع فيها الجاهزية المؤسسية مع الوعي المجتمعي، وتتكامل فيها أدوات الرّدع مع مناعة الداخل.
فالتنظيمات الإرهابية حين تعجز عن المواجهة المباشرة تلجأ إلى مسارات أكثر خفاءً وتعقيداً، وتعمل على اختراق المجتمعات من الداخل، عبر شبكات عابرة للحدود تسعى إلى التسلل للنسيج المجتمعي، وإعادة تشكيل الولاءات وفق أجندات خارجية.
وفي مواجهة هذا النمط من التحديات، لا يكفي التفوق الأمني وحده، على أهميته، بل تبرز الحاجة إلى منظومة متكاملة، قوامها دولة قوية بمؤسساتها، ومجتمع متحصّن بوعيه، وقادر على التمييز بين الاختلاف الطبيعي ومحاولات التوظيف الأيديولوجي المنظم، ولعلّ ذلك ما تكشفه هذه العملية النوعية.
فالإمارات دولة لا تدير أمنها بمنطق رد الفعل، بل بمنهج استباقي، يقوم على الرصد المبكر، والتحليل العميق، والقدرة على تفكيك الشبكات قبل أن تتحول إلى خطر فعلي.
كما أن انكشاف الارتباطات الخارجية لهذا التنظيم يعيد التأكيد على أن الإرهاب، مهما اختلفت تسمياته أو أنماطه، يظل جزءاً من منظومات أوسع تسعى إلى توظيف الفوضى لتحقيق مكاسب سياسية، مستندة إلى أدوات غير مباشرة، تبدأ بالفكرة وتنتهي بالفعل.
إن ما جرى ليس مجرد إحباط لمخطط، بل تأكيد جديد على أن معركة الأمن تبدأ قبل أن تُرى، وتُحسم قبل أن تُعلن. وبين يقظة الدولة ووعي المجتمع، تتشكل معادلة الاستقرار التي تجعل من الإمارات نموذجاً لدولة تعرف كيف تحمي حاضرها، وتؤمّن مستقبلها، في عالم لم يعد يتسع للغفلة ولا يحتمل التردد.
لقد أراد أعضاء هذا التنظيم أن يتسلقوا على أكتاف الشباب، متناسين أن إماراتنا محصّنة بأبنائها، وتعيش توحداً وطنياً، حيث لا مجال لخلاياهم المستيقظة أو النائمة في ديارنا، ذلك أن الدفاع عن أمننا واستقرارنا عنوان لا يقبل التأويل.
وفي المحصلة، إذا كان لبعض الدول أن تحسب انتصاراتها بما تُحدثه في خصومها من خراب، فإن الإمارات تحسب قوّتها بما تصونه في داخلها من حياة، وما تحميه من منجز، وما تحفظه من كرامة، وما تؤسسه من مستقبل، حيث الولاء للوطن لا للخارج، والبيعة للقيادة لا للفقيه.


