رحلة هونغ كونغ الثانية في التسعينيات، رأيت فيها وجهها الزجاجي، ولمعان واجهاتها التجارية، وفنادقها الباذخة بعكس الرحلة الأولى، حيث كانت وجهتي ثقافية وتاريخية وسياحية، والرحلة الثالثة التي كانت من أجل السياحة الكسولة فقط.
هذه الرحلة الثانية الجماعية، كانت تجمعني بثلاثة أشخاص، جميعهم لم يصدقوا أن معنى هونغ كونغ هو الميناء الذي يفوح عطراً، وظلوا يذكرونني بذلك في كل وقت وحين، وكأنني أنا الذي أطلقت عليها ذاك النعت، حتى أنني تأسفت على تلك المعلومة بأثر رجعي، وقلت في نفسي، «تستأهل.. دواك»!
رفاق الرحلة، واحد «فروق» خوّاف، وواحد «خكاك» مدّعٍ، وواحد «برصيص» بخيل مغتر، أما الأول فيخاف من ظلته، والثاني يوهم الآخرين بعكس ما يكون حاله عليه، أما الثالث فهو بخيل، ويناجي الفلس قبل أن يودعه بدموع غزار، وكل واحد منا أخذ نصيبه من طبيعته، فـ«الفروق» ظلت تلك الطائرة تتلاعب فينا، وتخض أكبادنا، ومرت عليه الرحلة كدهر لا ينقضي، حاولنا أن نقنعه في لحظة كنا نرى فيها عينيه تبرق ثم تهمد، أن المطبات الهوائية مسألة عادية جداً أثناء الطيران، وقبل أن نختم تلك الجملة هوت بنا الطائرة لقرار سحيق، فخرج صوته مبحوحاً، ولو قدر ساعتها أن يجاري النساء والفتيات في صريخهن لفعل، كان يلجأ للدعاء مرة، ومرة يخرج عن ملة الدين بالدعاء علينا، ومرات يكيل التهم على الطيار، ومساعده الذي لا يفعل شيئاً عادة، وإذا أردنا أن نزيد من غليانه قلنا له: إن هونغ كونغ محاطة بمياه محيطات يغطيها الضباب، وهو لا يجيد السباحة إلا في ماء الشريعة شبه الجاري، فيسلم أن نهايته قد قربت، ويكاد أن يوصي بمكان الدفن، فنرد عليه أن هونغ كونغ مساحتها محدودة جداً، ولا يدفنون فيها ميتاً، بل يشبّون تحته جهنم الحمراء حتى يصبح رماداً، وقد يتحول إلى سماد الأرض بعد عقد من السنين.
أما «الخكاك»، فكان يتصنع الشجاعة، لكن في هبوط الطائرة والاهتزازات العنيفة كان يعاني وبصمت، والبسمة كانت تخرج مُرّة، والضحكة متقطعة، ولا تبشر عنده بخير، وفي المدينة وقبل أن يأوي إلى سريره، كان يسرد علينا بطولات النهار، وشجاعة آخر الليل، وينسى أنه كان ملازماً لنا في التجوال، ومرة اتفقنا أن نغيبه، ونتوارى عن أنظاره في غفلة منه، فتجمد مكانه، وظل يتلفت، ونسي الجمل الإنجليزية المفيدة، وخجل أن يحادث المارة من الرجال، أما النساء فيغص لمرآهن، وتظهر منه الكلمات مع تأتأة وتفتفة، وحين يتخلص من الموقف النسائي، تسمع منه أجمل الحكايات بطلاقة لسان، وزهو رجولي، ظل صاحبنا كالمصاب بـ«حكر.. بقر» خائفاً أن يتقدم خطوة، ولو طاوعتنا واحدة، وتقدمت له كعابرة رأت غريباً مصادفة تائهاً لرأينا عافية الدنيا تدب في ضلوعه، لكنها خذلتنا بضحكها، ودلّه علينا.
أما «البرصيص» والذي كان أكله مثل النساك البوذيين، ومرات ينام على الطوى كما يقول العرب، وبعد جولاتنا الأولى في المدينة حلفنا له بأيمان لا يساورها الشك أننا كنا ضحية سرقة وابتزاز، والآن لا نقود ولا «كروت» ورادّين الشأن في الله ثم فيه، فـ«يورط» ورقصت تفاحة آدم في «يرعبته» وقال: «خيبة.. ياك الموت يا تارك الصلاة، أنا فلوسي على قدي، وهبابها تكفيني، وأنتم واحد «فروق» ولا يطرد خوفه إلا الأكل، والثاني «خكاك» يمكن يعزم الشارع على حساب غيره، وأنا تعرفوني أصوم الاثنين والخميس وناذر من البلاد إن بلغت هالديار أكمل الأسبوع صيام الشكر، أما الرابع فتعرفونه جيداً يظل يتفرج، ويتأمل، ويشفق على الحمام الطائر، ثم يصبح فجأة أباً للأيتام، وأنا تراني مب واقف على بيب الظنة»!