رحل بالأمس، محمد حمد الشرحبي الظاهري، رجلٌ من الرعيل الأول، ممّن عملوا في شرطة أبوظبي، وممّن كان لهم سبق التأسيس، ويعرفه حق المعرفة، مَنْ تخرّج في مدرسة الشرطة بأبوظبي، في بدايات السبعينات، قاد كوكبة من رجال الشرطة، وخدم الشرحبي، طوال حياته، وتدرّج، في السلك الشرطي، منذ قوة ساحل عُمان، بجانب أقرانه، في بدء التأسيس، نواة الشرطة، في أبوظبي، ولاحقاً بالإمارات، بقيادة المغفور له الشيخ مبارك بن محمد آل نهيان، ذي الأثر الأكبر والمهم، بهذا التأسيس، وتاريخه عبر عصور مختلفة.
فما كانت تلك الحقبة من الزمن تقاس كسائر الحِقب الزمنية، في مكوِّن المدن، وبداية المدنية المشرقة، دائماً البدايات صعبة وشاقة، ولربما لم يَعُد يُذكر، ممن ألهبتهم شمس الصحراء، وأبرزتهم في بنان القوة، لمجابهة الصعاب والمخاطر، فكانت المعاناة هي العنوان الأشمل، لكن العنوان الأجمل، العين الساهرة على الوطن، وربوعه وأطراف حدوده، من بحار ورمال، هم مَن حملوا لواء الأرض، وقيمها ونموّها الأجلّ والمستمد، من الأمن والأمان والانتماء لتراب الوطن المعطاء، يستمدون من رائحة ترابه البقاء والعطاء.
رحل رائدٌ من روّاد تلك الحقبة العسكرية، التي لن تبرح الذاكرة، ممّن حملوا على عاتقهم الحضور المُشرِّف، الناصع البياض، كانوا المُلهمين لمَن بعدهم، يحيلون عبء الأمانة والتحدي، إلى أجيال، تُجدد فلسفة شرطية وعلمية، في مكونات وصروح ثقافية، حرصاً من الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الداخلية، على بثّ روح العطاء في منهجية شرطية حديثة ومتطورة في حقبة زمنية لا تكتمل إلا بالتطور الحديث.
عاد بنا نبأ رحيل محمد الشرحبي، رحمه الله، إلى بداية السبعينيات، والتقاء لفيف من الضباط الشرطة، في بيوت حارة الروضة، عرفاناً لهم، منحوا بيوتاً مستقرة، في حارة ما زالت تحمل أرقام بيوتهم القديمة، كما لو تحمل أرقامهم العسكرية، وإن رحلوا وهجروها بقيت الجدران، وكأنهم ما زالوا رهن الإشارة، في سبقهم الأول، حُماة المدينة استقروا في وسطها، تشرق شمس أبوظبي وصباحها، على فصول من التشكّل في البناء والابتكار، ورفاق الدرب انتهى حالهم، بعد نهاية الخدمة الشرطية، وعاد الشرحبي، إلى مدينة العين، وإلى مدينة هيلي بالتحديد، التي لم تَغبْ عن ذاكرته، ولا مسيرته حتى رحل عنها، يحمل مسيرة عطرة جمعت صفاته النبيلة، من قامة ورفعة أخلاق، وصبر على الضيم، ومهما نال من شرف أنواط عسكرية مختلفة، يتجسد بريقها في تواضعه، وهي صفات رفيعة لا ينالها إلا كل مخلص يعمل بصمت، وهمّة ويؤثر الخير، ولا يتوانى في خدمة الآخرين، جمع ما بين صفات العسكر والبداوة العربية، ومن منبعها ارتوى بأصالتها وقيمها وحكمتها، رحمه الله.