لا يستقيم الحلم مع الوهم، فطالما كانت الصورة زاهية من غير سوء، بهيّة كما هي الوردة عندما كان البحر بحراً، وليس مآلاً للهمجية، وطغيان العبثية، وتسرُّب سموم السياسات الرعناء، والرؤى الشوهاء، والأوهام التي تُردّد صوت البلغاء، وتصعد على الموجة لتقول للعالم بأن الخدع البصرية يمكن أن تصنع مجداً، أو تصوغ واقعاً، وحتى وإن كان الواقع فوق شجرة الوعي، والخدع تبحث لتؤكد أنها حية ترزق.
ما يحدث في خليجنا ليس إلا لعبة الخيال المريض، وحفلة تنكرية لوجوه سمتها مساحيق التجميل لأيديولوجيا تخلت عن الأفكار وتمسكت بالغبار، وصارت تعيث فساداً بالثوابت الإنسانية، مُحرضة قبل تاريخها التوسعي لاستدعاء الكذب من الخنادق والجحور.
ما يحدث في خليجنا ليس حقيقة بقدر ما هو لعبة شيطانية، أبطالها دُمى كرتونية تحركها شعارات، وعناوين عريضة، لنظريات قامت على شعوذة فاشلين حتى في التصور، خائبين حتى في صناعة الخبر، واليوم يبدو الخليج لا يرقى إلى أحلام طفل عاش على ساحله، ويبحث عن محارة بهجته، ويقلب الرمل، ويقبل رائحة الملح في ثنيات محارة لم يجف عنها الماء بعد، ولم ينحسر البحر، بل إن حلم الطفولة أصدق إنباءً من تنبؤات مشعوذين كذبوا، وكذبوا، وكذبوا، وصدّقوا أنهم يستطيعون كسب ودّ بحر لا يمّت لأخلاقهم بصلة، ولا تربطه بهم سوى رمال الوهم التوسعي ولا زالوا يتوهمون، ويشيعون خبر أوهامهم إلى العالم محمّلاً على كتوف شعارات مريضة، تعاني من أنيميا الصدق، وتكابد من جائحة الأكاذيب المتتالية حتى آخر نفس، وأنفاس الكاذبين لها رائحة تشبه رائحة الجيف، والكائنات النافقة.
الخليج، هذا الأريج، لن تُغيِّر من ملح مائه خزعبلات ولا تُبدِّل من لونه مهاترات، لأنه الخليج فقط، ولأنه الأريج الذي من عرق عشاقه اكتسب رائحة النوارس التي حلّقت، وطافت بين الجزيرة والجزيرة، تعبق السماوات العلا بعطر أجنحتها، وصدق بوحها، وروعة تحليقها، وبراعة غوصها، ومهارة سباحتها على ظهر موجة، وموجة.
الله، كم هي الهمجية بغيضة عندما تفكر في غسل يديها الملوثتين بدماء الأبرياء، وتنظيف عيونها من دموع التماسيح. الله، كم هو البحر سرمد، وإثمد العيون، وكم هو الناهض وعياً في فكر عشاق ما ملّوا من تنسيق مشاعرهم عبر قصائد البحر، ومواويل بحارة عانقوا وجه السماء، بترنيمة أشهى من نغمة المساء وهو يداعب خصلة مرت على جبين الطفولة، مثل لمسة يدٍ بضّة، أنعم من الوردة. الله يا خليج، كم أنت مارد خفيٌّ بين ضلوع من هاموا بحبك، ومضوا بالأشرعة، يبغون الدرّ النفيس، وفي عيونهم يسكن بياض الموجة، وسحر الماء ويقظة الضمير الإماراتي بحبك يا خليج، بجمالك يا بهيج، كم وكم أنت في حياتنا لمعة الفجر في عيون الطير، وشمعة الأفق في عز النهار.


