أطفال كنّا، وكانت مشاعرنا مثل مياه خليجنا العربي، صافية مثل عيون الطير، حارة مثل أجنحة الطير، مسهبة في التأمل مثل نجمة السماء، رضية مثل الغيمة، السابحة، على سطح شاعريتها.
أطفال كنّا نغني للموجة وهي تداعب سواعدنا الندية، ونمضي في الحياة، مثل أعناق الجياد فارعة، تنشر أعرافها في الوجود، ريانة بالهوى، والهوى أشواق، لعناق أنشودة الوطن.
كان معنا في تلك الرحلة العمرية، خيال يشبه كتاباً مفتوحاً على الشمس، وأهدابها أقلام تملأ السطور كلمات من ذهب، وكنّا نعبق البحر، بعرق الأجساد، وأنفاس كأنَّها النسيم يداعب خصلات الموجة الحسناء، والبحر يردد النشيد الوجودي، البحر يناغي طفلة مرت على رمل السواحل، وفي جعبتها حفلة، تشدو للبحر للخليج، وتهفو إلى تاريخ لم يهمله التاريخ، والتاريخ من بحر الخليج ارتشف الأريج، والعبق كان إماراتياً، حقاً، لا تشوبه شائبة، التاريخ ابن الصحراء، يناولها رغيف الوعي، على طبق من در الأعماق السحيقة.
تلك طفولة، وريعان، وقلوب نشوانة بالهوى، والقصائد من بوح طائر اسمه النورس، كان يحوم، ويعوم على موجات الهواء، كقارب شده الطموح، كي يعبر، ويمر عبر أنسام لامست رموشاً، وتحدت الغرق، تحدت زرقة اللجة عندما كانت اللجة، بطن مجهول وكان النورس مكتشف المجاهيل، يمر من هنا، من نياط الأفئدة، من لواعج، وحنين إلى الماء.
أطفال كنّا، وكانت مشاعرنا، أزهار قرنفل، وياسمين هندي، والعطر بوح نخلة، أزهرت وعياً في ضمير عشاقها، وأشواق المدنفين توقاً، وعشقاً، وكانت تلك الأسطورة التاريخية، تعلّق على سلسالها الفضي عناقيد ورد، وسد، وبد، وكد، وجهد، وحلم نساء ملأن عروق النخلة الفيحاء من شذا العيون الناعسات، المسهبات، في الوعي، إدراكاً لما تسديه النخلة لإنسان بحري ملح البحر من عرق، ومن شوق، ومن توق، ومن تنهدات الطوق على عنق، وحدق.
كنَّا أطفالاً وكان الخليج العربي، كحارس يرقب شغبنا، وينظر إلى العيون التي في طرفها حور، ينظر إلى النهر بين الخافقين، ينظر إلى سهر الرموش، على عيون، كحلها من لون البحر، وشقاوة محارات تزحلقت على الرمل، تبغي الماء، وتهوى البلل.
كنَّا أطفالاً، ولم يزل التوق للبحر يافعاً، بارعاً في تصوير الماء كالدم، ولا فارق بين العطرين، لا فارق بين النهرين، فكلاهما من بشاشة القلوب أخذ رونقه، ولون وجهه من بريق القيم الخالدة، لأن الخليج، خليج في القلب والمضيق شريان، تعبره سفن السفر البعيد، إلى ذاك المدى، والمدى نطاق، في الرئتين، وطوق، عند شغاف تاريخ لم يتخلَّ عنه حلمه، وحلم الخليج، ابتسامة مستدامة، لن تعكرها حشرة تحت جناح طائر الغاق.


