- في متاهة الريح والقلق والندم، يبحث الإنسان عن أمكنة يمكن أن تكون أكثر شفقة عليه، وأكثر حنواً على نفسه المتهالكة من الوجع، وذاك التعب الذي يجرح العظم، ويجعل كل الطرق واحدة، التي أخضرت بعشبها في عذابه أو التي تكاثر شوكها في غيابه!
- في متاهة الريح القلق والندم، يهرب الإنسان إلى الأمام، مخلفاً بقعة الحزن الثقيلة وراءه، متمنياً أن لا يعود، وأن لا تكون تلك البقعة قد سبقته بظلها المثقل إلى الأمام!
- في متاهة الريح والقلق والندم، يجازف المرء راكباً، وراجلاً من أجل تلك المرأة التي يمكنها وحدها أن تحتوي كل ذلك الخراب، وتؤنث الأمور، وتؤثث الأشياء، ويغدو الصباح بلون آخر، وطعم جديد آخر!
- في متاهة الريح والقلق والندم، إن غسلت الدموع مآقي العين، فلكي تبصر حزنها أكثر.. ومثقال وجعها أكبر!
- في متاهة الريح والقلق والندم، ما أشد لحظات المساء الذي يخبئ تلك الكآبة القابضة على الزرقة، وهو لا يدخل عادة وحيداً!
- في متاهة الريح والقلق والندم، ثمة يُتم يتربص بك أينما حلّت القدم، ما أثقل حينها الطريق، وما أبرد كل الأشياء حولك، ووجهتك العدم!
- في متاهة الريح والقلق والندم، تموت الأحلام، ولا يبقى مستيقظاً إلا ذلك الركام الرمادي الماثل أمام عينيك مثل نسر حزين، وهرم، ولا يقوى على حمل جناحيه المتعبين ليختار منفاه الأخير والعالي البعيد، حيث عاش طويلاً!
- في متاهة الريح والقلق والندم، كم تبدو مثقلاً، مطارداً، ولا قلب يقول لك: هَيّتَ لك.. أدخل بسلام!
- في متاهة الريح والقلق والندم، يحزنك الكرسي الوحيد، والملابس المعلقة، والمقهى الخالي، والشجر وهو يناظر لأوراقه الهاربة بصفرتها ويباسها، والباب المقفل، والنافذة المغبشّة، وبحّار يودع سفينته للمرة الأخيرة، وأشياء كثيرة تضجر.. أشياء كثيرة تودع فتنتها!
- في متاهة الريح والقلق والندم، لا شهية للأشياء، وقليلة هي التي تفرح القلب، وكثيرة هي التي تثقله، غياب الصدق، حضور الكذب، دفن الأمانة، ولا قيمة للشرف ومعنى الرجولة، حينها ما أسهل الأمور التي تستمطر ماء العين ورمد سخينها!
- في متاهة الريح والقلق والندم، تغدو محباً لمرافقة السحاب السابح في سبحانيته، بتلك الهيبة البيضاء المتجلية، تظل معلقاً فيه، وبه، من خلال نافذة الطائرات، ولا تريد أن تحلّ، ما أبعد الأرض، ما أجملها!
- في متاهة الريح والقلق والندم، حيث لا جيران، غير حشرجات لألم متقطع، ولا صدى غير الآه، ولا فضاء إلا تلك البراري المترامية، تطارد فيها النفس ظلها!
- في متاهة الريح والقلق والندم، وحدها الصغيرة يمكن أن تخاتلك، لتطبع قبلة وتهرب أو تلقي بعفويتها وثقلها عليك، وتقول: مريض.. أنت، أنت مريض! لا.. لا! ساعتها تفرط من عينك قطرة ساخنة، وتشعر بجرح شرقة في الحنجرة، وتقول: أقبلت الحياة بنورها، وداعاً لمتاهة الريح والقلق والندم!


