حين رأيت الصديق محمد بن غنوم من أسبوع، كانت مجرد تحيات عابرة، لكن أسدت من أعماق الذات ولجمت فراغات السنين وكأنها تجليات نبضت في روح ماضي السناء، حكايات تورد خمائلها ببدايات زمنية لم نلتق بعدها، إلا فترات متباعدة، كتلك اللحظة الخاطفة، إلا أنها كانت توحي بالشغف حين يرفرف بأجنحة الشوق، كنا أقرب ما نكون في مدينة العين وقبيل التحول إلى أبوظبي التي جمعتنا بقرب كأننا على بساط الصدف نلتقي وعبق الحنين بمرات وجيزة نلتقي ونفترق إلا اللقاءات الحثيثة تفتح آفاق ذاكرة لا يبددها زمن بل تجسد معاني موثقة بشيء من الأثر الطيب، والفضاء الرحب، والقيم الموروثة التي تعيد حكاياتنا الأولى.
تحضر اللحظات أكثر بوحاً، وأجمل في ذاكرة وسط مدينة العين تلك الحارة الساكنة قريرة العين لحظة ولوجها في صباح مشع ونسمات لا تحدها مبان عالية، بل لها فضاء رحب يستل ضياءه من بين مسارب الطرقات القليلة، وظل أشجار نخيل وارفة تنسج الخيال؛ تلك لحظات الحارة العامرة بوجودها، الآتية من نفحات التاريخ، وبدايات مدينة العين التي تحضر جلية المطوعة الفاضلة كنة بنت سعيد جدة محمد بن غنوم التي خصصت في زمانها جزءاً من منزلها لتحفيظ القران الكريم وتتلمذ على يدها الكريمة أبناء الحارة الذين كانوا يسترسلون في المجيء إليها صباحاً مبكراً، ينتسلون بخطواتهم الصغيرة من بوابات بيوتهم تحفهم ظلال الجدران من أشعة الشمس.
فما يصلون باب بيت المطوعة كنة بنت سعيد حتى تنشرح صدورهم بسماع أصوات تلهج بآيات من القرآن الكريم، وهم يتحلقون حولها، وهي كالسراج المنير تمسد رؤوسهم، وتحفهم لحظات جميلة ترسم ملامح الصغار لحظات جلية في عيونهم براءة التعلم والخضوع وتصعد أصواتهم وهم يرددون حفظهم لآيات القرآن بغية ختمه في فترة وجيزة وفرحة تنقش في صدورهم آيات تبث نوراً يتدفق على مدى الأفق.
حيث إنهم يبلغون بيوت الحارة باجتياز حفظ القرآن الكريم، أبناء ينثرون حكايتهم كنثر الورود البيضاء الناصعة، ويحتفلون كلما انتهوا من الحفظ وينبهرون بقامة الحافظ مستلهمين أقرانه أن يحذوا حذوه.
بركات الحارة يأتيها رزقها من الله ومن كل حدب سوقها الذي لا زال شامخاً بطبيعة أهله، وأن رحلوا سوق بمحاذاة واحة العين، نادرة الوجود، واحة تحفل بوجودها كلما قدمت، وحارة تشرذم وجودها وبقت في ذاكرة الحياة بشخوصها وملامحهم بشواهد خصبة.