هناك أوطان تُعرَف بحدودها، وأخرى تُعرَف بما تمنحه للعالم من معنى. والإمارات، وهي تشارك الأسرة الدولية الاحتفاء باليوم الدولي للسلام بالأمس، تقدم نموذجاً لدولة جعلت من السلام قيمةً راسخة، ومن التعايش جسراً، ومن الحوار لغةً في علاقتها بالعالم.
فالسلام ليس مجرد غياب للحرب، ولا هدنة مؤقتة بين نزاعين، إنه بناء طويل يبدأ بالإنسان، ويمر بالتعليم والثقافة والحوار، وينمو بالثقة والعدالة واحترام كرامة الآخر. ولعل شعار الأمم المتحدة لهذا العام، «استثمروا في السلام: من أجل الجميع، في كل مكان، كل يوم»، يلخّص هذه الحقيقة: السلام استثمار لا ينتهي.
ومنذ عهد الوالد المؤسِّس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، ارتبطت الإمارات بقيم الحكمة والعدل والرحمة والعمل الإنساني. وواصلت القيادة الرشيدة المسيرة لتمنح هذا الإرث بُعداً عالمياً، انطلاقاً من إيمان بأن القيم الإنسانية المشتركة قادرة على بناء جسور تتجاوز اختلاف الدين والثقافة والجغرافيا.
وفي هذا السياق، جاءت رؤية سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الخارجية، أمام الأمم المتحدة عام 2018، داعيةً إلى الانتقال من منطق الجدل والصراع إلى التعارف والتعاون، والالتقاء حول الفضائل والقيم المشتركة.
ووجدت هذه الرؤية طريقها للتنفيذ عبر مبادرات ومؤسسات، في مقدمتها «منتدى أبوظبي للسلم»، الذي جعل الحوار والتفاهم والتعارف ركائز لغرس شجرة السلام. كما يكتسب اختيار أبوظبي لاستضافة الجمعية العالمية الحادية عشرة لمنظمة «أديان من أجل السلام» عام 2027 دلالة تتجاوز تنظيم مؤتمر دولي، فهو يعكس مساحة متقدمة يمكن أن تفتحها عاصمتنا الحبيبة لحوار عالمي حول السلام والتعايش والحرية الدينية والعدالة والقيم التي تصون كرامة الإنسان.
جهود ومبادرات تجعل من أبوظبي منصة عالمية دورية للحوار حول القيم، على غرار المنصات التي عرفها العالم للحوار الاقتصادي والأمني، منصة تراجع، إلى جانب ما حققته البشرية من تقدم مادي وتقني، وما تحقق من تقدم أخلاقي وإنساني.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي، تزداد الحاجة إلى هذا السؤال: كلما ازدادت قدرة الإنسان على صناعة المستقبل، مَن يحدّد له المستقبل الذي ينبغي أن يصنعه؟ وهنا يصبح الاستثمار في القيم استثماراً في السلام نفسه. فالحروب لا تبدأ دائماً في ساحات القتال، بعضها يبدأ في الأفكار، وفي خطاب الكراهية، وفي غياب التعارف، وفي إنكار إنسانية الآخر.
ولذلك، السلام لا يبدأ فقط حين تتوقف الحرب، بل حين يتعلم الإنسان ألا يصنعها. هذه هي الإمارات: وطنٌ جعل من السلام نهجاً، ومن التعايش جسراً، ومن القيم رسالةً إلى العالم.