للمدن لغتها الخاصة، لا تُقرأ من أبراجها الشاهقة أو طُرقها الواسعة، ولكن من التفاصيل الصغيرة التي قد تمرُّ أمام كثيرين من دون أن تستوقفهم. ففي إحدى مناطق دبي، وبين حركة البناء التي لا تكاد تهدأ، كان هناك مشهد بسيط في صورته، عميق في دلالته، عامل يحمل علَماً أحمر، وآخر يرفع علَماً أخضر، ينظّمان حركة المركبات عند دخول شاحنة أو خروج خلاطة خرسانة، حفاظاً على سلامة المارة والسائقين، وانسيابية الحركة في آن واحد.
قد يراه بعضهم إجراءً اعتيادياً، لكنه في الحقيقة يعكس ثقافة راسخة عنوانها أن السلامة مسؤولية، وما نشهده في مواقع الإنشاءات اليوم لم يأتِ مصادفة، وإنما هو حصيلة متابعة ميدانية دقيقة، وتشريعات واضحة، وحملات توعوية مستمرة، جعلت الالتزام ممارسة يومية قبل أن يكون استجابة للرقابة. لحظات قليلة من غياب التنظيم وعدم الالتزام تكفي لإرباك حركة شارع بأكمله وتغيير الصورة، فوجودُ منظِّمٍ للحركة في مثل هذه الحالات يكون كفيلاً بإعادة الانسيابية في دقائق معدودة. ويكفي تأمُّل مستوى الالتزام بقرار حظر العمل وقت الظهيرة خلال الصيف، لندرك كيف تصنع الشراكة بين الجهات المختصة والقطاع الخاص نموذجاً يُحتذى به.
المشهدان يختصران درساً مهماً، فنجاح أي مدينة لا تصنعه القوانين وحدها، ولا تنجزه الجهات الحكومية بمفردها، وإنما يقوم على تعاون الجميع. واليوم، بينما تشهد طُرق الدولة مشاريع توسعة وتطوير غير مسبوقة، فإن الصبر والالتزام بالتحويلات والسرعات المحددة إلى جانب كونه امتثالاً للأنظمة، يُعد مساهمة مباشرة في إنجاز هذه المشاريع بأمان وكفاءة. أما تجاوز المسارات، أو استخدام كتف الطريق، أو السلوكيات التي يبرّرها بعضهم بالرغبة في اختصار الوقت، لا توفّر دقائق بقدر ما تصنع ازدحاماً أكبر، وتزيد من احتمالات الحوادث، وتنتقص من حقوق الآخرين.
استثمرت الإمارات بسخاء في بناء بنية تحتية تُعد من الأفضل عالمياً، وتواصل تطويرها بمشاريع نوعية، يتقدّمها قطار الاتحاد الذي سيضيف بُعداً جديداً لمنظومة النقل ويربط إمارات الدولة بكفاءة واستدامة. وهذه الإنجازات تستحق أكثر من الإعجاب، تستحق أن نحافظ عليها بسلوك حضاري يوازي قيمتها.
فالمدينة الجميلة لا تبنيها الرافعات وحدها، ولا تصنعها الطُّرق الحديثة فقط، وإنما يبنيها أيضاً مواطن ومقيم يؤمنان بأن الالتزام والتعاون ليسا عبئاً، وإنما أسلوب حياة.. ومن هنا تبدأ المدن العظيمة.