في زمن كرة القدم الذي صار يحتفي بالمدرب النجم أكثر مما يحتفي بالفريق البطل، جاء الإسباني لويس دي لا فوينتي ليقلب المعادلة. لم يحتج إلى مؤتمرات صحفية نارية، ولا إلى تصريحات تستفز الخصوم، ولا إلى هالة إعلامية تصنع منه بطلاً قبل أن تلمس الكرة عشب الملعب. احتاج فقط إلى فكرة.. وإلى صبر.
في كرة القدم الحديثة، لا أحد يريد الانتظار. الجميع يريد بطلاً يولد بين يوم وليلة، ومدرباً يغيّر العالم في شهر، ومنتخباً يحصد الألقاب دون أن يمر بمشقة البناء وطوابير الانتظار. لكن الإسبان، وهم يرفعون كأس العالم الثانية في تاريخهم، أثبتوا أن الألقاب الكبرى لا تنزل من السماء، بل إنها تطلع من الأرض ومن رحم الصبر.
لم يبدأ دي لا فوينتي رحلته مع المنتخب الأول، بل بدأها مع الفتية الذين كانوا يحلمون بارتداء قميص «لاروخا». عرفهم أطفالاً يحلمون، وشاهدهم شباباً ينضجون، ثم قادهم رجالاً إلى قمة العالم. لذلك لم يكن انتصاره وليد بطولة، بل ثمرة مشروع، لقد غرس الفكرة في عقل هؤلاء الصغار/الكبار، وتركها تنمو لتصبح علامة فارقة في الزمن الكروي العالمي، هي أصل وماهية فلسفة دي لافوينتي.
الأجمل في السرد الإبداعي الرائع، أن دي لافوينتي لم يحارب هوية الكرة الإسبانية، بل أنقذها من الجمود. أخذ من «التيكي تاكا» روحها الجميلة، وتخلّى عن مبالغاتها واحتباساتها وحتى حماقاتها، فجعل الاستحواذ وسيلة لا غاية، وسيلة للكر والفر وأضاف إلى ذلك الجرأة والسرعة والواقعية، فاستعادت إسبانيا شخصيتها دون أن تفقد ملامحها ولا هويتها.
وفي عالم تبتلع فيه الأنا كل شيء، انتصر دي لا فوينتي للجماعية. لم يكن يبحث عن أسماء لامعة، بل عن لاعبين يؤمنون بالفكرة. عنده لا يصنع النادي الكبير مكاناً في المنتخب، بل يصنعه العطاء. لذلك بدا منتخب إسبانيا فريقاً يلعب بعقل واحد وقلب واحد.
ولعل أجمل رسالة بعث بها المدرب الإسباني إلى العالم، وإلى كل الاتحادات الباحثة عن «المنقذ»، أن الحل لا يوجد دائماً خارج الحدود. أحياناً يكون البطل موجوداً في بيتك، يعرف ثقافتك، ويحفظ هوية كرتك، لكنه يحتاج فقط إلى فرصة وثقة، يحتاجك أن تراه وتحسن الظن به.
لقد هزمت إسبانيا فرنسا المدججة بالنجوم، ثم تجاوزت الأرجنتين بطلة العالم، لا لأنها امتلكت أفضل اللاعبين، بل لأنها امتلكت أفضل فكرة وأجمل نص تكتيكي جماعي. وفي كرة القدم، كما في الحياة، الأفكار العظيمة هي التي تصنع الانتصارات العظيمة.
دي لا فوينتي لم يرفع كأس العالم وحده، بل رفع معها قيمة كثيراً ما أهملها عالم الكرة… قيمة الصبر. وفي زمن الضجيج، كان الهدوء هو أعلى الأصوات حكمة، وكان الرجل الذي لا يتحدث كثيراً هو من جعل العالم كله يتحدث عنه، فيلسوفاً يعيد ترتيب أشيائنا.