«على شط بحر الهوى، رسيت مراكبنا»، أغنية عذبة، تسري على سطح البوم القديم، الذي يُبحر من دبي إلى الأفق البعيد، إلى دوحة الخير.. راديو صغير في حقيبة جلدية بُنية، وتعليقة طويلة تشبه تعليقة المخلاة، أخرج المسافر الراديو، عندما ذهب الليل الطويل، صدحت الأغنية الجميلة وسرت بعيداً، ما زالت المسافة طويلة بعد أن اختفت جزيرة دلما، وظل البحر هادئاً وجميلاً، ظلام دامس والبوم تهدر مُحركاته في عزيمة قوية، أول مرة أركب البحر مسافراً بصحبة والدي، كنت في شوق إلى أن أعرف هذه المدينة، الدوحة.. كل المسافرين ناموا، وحدي ظللت أستمع لتلك الأغنية الجميلة والجديدة حينها على مسمعي، الراديو لم يصمت حتى الفجر، ليل البحر موحش وظلامه شديد، وحدها النجوم تلمع بقوة ويمكن عدّها واحدة واحدة بكل سهولة، الأمواج تنهض مثل ظهر حوت أو (دغس) دولفين، ولكن البوم لا يعبأ بهذا النهوض، يقطع الموج بسلاسة عجيبة وعزم قوي في المسير، هدوء عجيب يسكن البحر.
قبل الفجر، لاحت أضواء الدوحة من بعيد وعندما اقترب البوم من الميناء، بانت المدينة - الدوحة، وكأنها حورية ترتدي عقود اللؤلؤ والمرجان، كانت تشعُّ نوراً وأضواء جميلة، لم تزل تحضرني حتى الآن، لعلها لمفاجأة أن تدخل مدينة جميلة من البحر، وظهور الصورة المحاطة بالأضواء بعد ظلام البحر والسفر الطويل، كأنك تضع قدمك على محطة السلامة بعد عبور البحر، وكما حلمت بها في ذلك العمر الصغير، وكما هي المدينة جميلة، كان استقبال معارف والدي لنا، مرت السنون ومازلت أتذكر أول صورة لمدينة الدوحة القديمة.. بعد زمن طويل، حضرت إلى قطر الحبيبة، مشاركاً في مناسبة ثقافية، فرحت بأنني أعود بعد هذا العمر والزمن الطويل الذي مرّ مثل الريح. كم هي رائعة الآن الدوحة، وكم قطعت من قفزات، وفي كل المجالات، كانت درّةً على سطح البحر والآن أميرة هذا الخليج العربي. 
ماذا لو صدقت الفكرة التي تحضر، ويختفي الحديث عنها، في ربط مدينة أبوظبي الجميلة بالدوحة، عبر جسر يقرّب المسافة، ربما اكتمل عقد اللؤلؤ الذي يزين هذه المدن، أبوظبي والدوحة، إلى شيء رائع وعجيب على بحر الخليج العربي، مدينتان سوف تخلقان واقعاً وحدثاً فريداً في الخليج العربي، وازدهاراً اقتصادياً كبيراً، سوف تقصر المسافة ويزداد الالتحام بين درُّتين تُزيّنان البحر، لا شيء صعب على من صنع هذه المدن الجميلة، بأن ينهض بها إلى البعيد، سوف نتذكر مسافة السفر القديمة وكيف أصبحت مثل رمشة عين، إنْ نفِّذ هذا الجسر الحلم.