انطلقت للمدينتين الساكنتين في الرأس منذ الصغر كذاكرة تاريخية وجغرافية، واعتقدت لزمن طويل أن زيارتهما ممنوعة علينا كعرب، ولا أدري من رسخ تلك الفكرة المغالطة، ربما كلمة «المحتلتين» التي عادة ما نسمعها في موجز الأنباء، وحين ترد في التداول الإعلامي العربي، هي ما رسخت تلك القناعة، ولعل تصرفات السائق المغربي الذي فيه بعض من الحيلة، شأن المتعاملين مع المناطق الحدودية باستمرار، أشعرتني وكأنني مهرب مبتدئ، وأن عليّ أخذ الحيطة والحذر، وأنه سيبذل قصارى جهده كي لا يجعلني أشعر بالتعب أو الملل من الإجراءات الإدارية في الحدود المغربية، وأنه سيتفاهم مع الموظفين بحيث لا أتأخر، طبعاً كل ذلك لزيادة المبلغ المتفق عليه أو أقلها مضاعفة الإكرامية، وأنا في مثل هذه الحالات أساير مثل هؤلاء، أقلها أنك ستخرج بفكرة أو قصة أو سيعرّفك بمفاتيح لشخصية قصصية واقعية، وأجد في تلك المواقف متعة، خاصة وأنها تبعدني عن أي توتر أو غضب، فالأمور الصغيرة دائماً لا تحتاج لصراخ أو شد أعصاب، والذي ثمنه فلوس دائماً رخيص.
انطلقنا لتلك المدينتين اللتين تعكسان ظلهما في البحر من «طنجة» العالية، والمحاطتين بسور حدودي منعاً للهجرة غير الشرعية والتهريب. حقق سائقنا مراده من زيادة دراهمه، وأنا اكتفيت كعادتي في تتبع المثل الشامي، فغايتي دوماً قطف العنب لا مشاجرة الناطور.
دخلت «سبتة» متهيباً، لكنها طرحت نفسها، وكأنها مدينة أعرفها أو سبق لي أن رأيتها، لأن هناك ثيمة واحدة تجمع تلك المدن القابعة على شواطئ البحر الأبيض المتوسط.
«سبتة»، التي جاءت تسميتها من روما القديمة نسبة لجبالها، «Septem Fratres»، بمعنى «الإخوة السبعة»، واختصرت إلى «Septem»، حتى صارت في الإسبانية «ثيوتا Ceuta»، وكلها تعني رقم سبعة، هي أجمل، وأكثر تنظيماً، وهادئة، يغلب عليها طابع مدن الجنوب الإسباني، والبحرية بالذات، لكنها أقل صخباً، وهي تناظر «جبل طارق»، فيها أقلية يهودية وهندوسية، في لحظة من اللحظات تبدو لك أنها مدينة يستحقها المتقاعدون، والذين يحبذون جلسة الكراسي لساعات طوال منشغلين بكتاب أو بحلّ كلمات متقاطعة، تقاطعها سِنة من النوم تداعب الأجفان أو برشفة من فنجان قهوة، كأنه لا يبرد، أو مصاحبين ظهيرة باردة تليق بطقوس مدينة متوسطية، حيث نومة القائلة من لذائذ الدنيا.
أما «مليلية»، الممتدة على الساحل المتوسطي، فقد جاءت تسميتها من الأفريقية القديمة وتعني العسل الذي تنتج منه كميات كبيرة، وقيل: إن أصل التسمية جاء من اللغة الأمازيغية «تمليلت»، وتعني الأبيض، نسبة للحجر الأبيض المتكاثر في أرضها، هي القلعة الضخمة التي تشعرك أنها باخرة كبيرة أبحرت من سواحل شبه جزيرة «إيبيريا»، ولم يسعفها حظها البحري للتغلغل طويلاً، فبركت قبالة الساحل المقابل، تناظر مدينة الناظور كامتداد ريفي جميل، ثمة روح مغاربية غالبة، لكنها في حقيقتها هي توأم لمدينة مالقا، تعيش من أجل البحر، وبسبب البحر، ولا تنسى أن تعكس ظلها في البحر.