افتتاح حرم كليات التقنية العليا في مصفوت أكثر من مجرد إضافة إلى خريطة التعليم العالي في عجمان، إنه رسالة واضحة بأن التنمية المتوازنة تبدأ من التعليم، انطلاقاً من رؤية إماراتية لا تقيس نجاح التنمية بعدد المشروعات المنجزة، ولكن بقدرتها على الوصول إلى الإنسان حيث يعيش، وفتح أبواب المستقبل أمامه دون أن يضطر إلى الابتعاد عن مجتمعه.
الحرم الجديد، المقرر افتتاحه الشهر المقبل، يضع التعليم التطبيقي بالقرب من أبناء مصفوت وحتا ومزيرع ووادي القور والمنيعي والحويلات والمناطق المجاورة. وهذه ميزة تتجاوز اختصار المسافة.
المشروع لا يقدم تعليماً تقليدياً بمعناه القديم، بل يراهن على تخصصات تنتمي بوضوح إلى اقتصاد المستقبل. دبلوم التحول الرقمي التطبيقي يفتح الباب أمام مهارات ترتبط بالتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي وتطوير الخدمات، فيما يركّز دبلوم المبيعات والتسويق على فهم الأسواق وسلوك المستهلكين ومتطلبات الأعمال الحديثة. أي أن الفكرة ليست تخريج حملة شهادات، بل إعداد شباب قادرين على تحويل المعرفة إلى قيمة في سوق العمل.
وهنا تكمن أهمية التعليم التطبيقي: أن يعرف الطالب لماذا يتعلم، وأين سيستخدم ما تعلمه. فالاقتصاد الجديد لا ينتظر كثيراً، والوظائف تتغير، والمهارات المطلوبة اليوم قد تتبدل غداً. لذلك فإن الاستثمار الحقيقي هو في إنسان قادر على التعلم المستمر والتكيف والابتكار.
كما أن الحرم، بطاقة أولية تصل إلى 120 مقعداً، يحمل أثراً تنموياً يتجاوز أسواره. وجود مؤسسة تعليمية حديثة في منطقة مثل مصفوت يمكن أن يعزز الخدمات، ويدعم النشاط الاقتصادي، ويشجع على استقرار الشباب، ويخلق بيئة أكثر جاذبية للمشروعات والاستثمارات.
ومنذ انطلاق كليات التقنية العليا عام 1988، تخرج فيها أكثر من 90 ألف طالب وطالبة، واليوم تخدم أكثر من 25 ألفاً. أرقام تؤكد أن التجربة ليست وليدة اللحظة، ولكنها مسيرة وطنية طويلة في إعداد الكفاءات.
أجمل ما في حرم مصفوت أنه يختصر فلسفة إماراتية راسخة: أن الاستثمار في الإنسان لا يكون فقط ببناء المؤسسات، بل بوضعها بالقرب منه، ومنحه الأدوات التي تجعله شريكاً في صناعة المستقبل. ولا تقتصر قيمة هذه الخطوة على إتاحة مقاعد دراسية جديدة، وأنما تمتد إلى بناء نموذج أكثر مرونة في توزيع الفرص التعليمية، بحيث لا تكون الجغرافيا عائقاً أمام الطموح. فكل طالب يجد مؤسسة تعليمية متخصّصة بالقرب من منزله هو مشروع كفاءة وطنية يمكن أن يسهم لاحقاً في خدمة منطقته وتطويرها. ومن هنا، فإن حرم كليات التقنية العليا في مصفوت يمكن أن يتحول مع الوقت إلى منصة تربط التعليم بسوق العمل واحتياجات المجتمع المحلي.