تصور أن نهاراً ساخراً، عبثياً، لا معقول حدث معك، بعد أن خرجت من بيتك مستعجلاً، لتلحق بموعد مهم يتعلق بعملك وأعمالك، وأنت هابط في المصعد تتمنى من الله ألا تكون إحدى عجلات سيارتك القديمة نائمة، لأنك أكسل خلق الله في تبديل وتغيير ذلك الدولاب الذي تتمنى أن يبقى في مكانه، غير مستعمل، كما تتمنى لو أنه لم يسبقك أحد في المصعد متعطر بعطر ثقيل أو رش على نفسه من عطر حرمته وخرج أو كان هناك في المصعد مقاول مدخن، غير حليق، وكرشه تندلق من الحزام مشكلة عليه ضغطاً لا يحتمل، تتمنى أن لا تزيد الخدوش بالمسامير أو المفاتيح على أسطح المصعد اللامعة، والتي يفتعلها الصبيان العابثون والعدوانيون كل يوم.
وحينما تخرج تجد سيارة برتقالية اللون تقف خلفك معترضة طريقك، وتكتشف فيما بعد أن الست صاحبة السيارة، ليست جميلة بالمطلق، وتأكل علكة مُرّة منذ فترة، ونازلة تمشي الهوينى، وكأن شيئاً لم يكن، وأنها كانت مضطرة للوقوف خلفك لعدم وجود موقف قريب من العمارة، وأنها اعتقدت أنك لن تخرج خلال ربع الساعة القادم، وكل المسألة أن صديقتها استعارت منها حاجة، وجاءت لاستردادها، وأخذهما الحديث، ثم إن مالطا لم تخرب بعد.
ركبت سيارتك وأنت تغلي من التوتر والانفعال، وبين أن ترجع أنت للخلف، وتتقدم صاحبة الصون والعفاف إلى الأمام، خاصة أن سياقتها - والله أنّها- شمخت سيارتك ولم تتوقف للاعتذار، فهي ما زالت مشغولة في تذويب العلكة المُرّة.
تصل موعدك متأخراً، وذلك الموظف بحجة أن لديه عملاً ووقته من ذهب، يجعلك تنتظر ساعة إلا ثلثاً، ويقدم لك نصيحة تافهة مثل: الوقت كالسيف إنْ لم تقطعه قطعك، ويمعن في التحجج والتلكؤ، ويطلب منك أن تحضر خلاصة القيد الأصلية، وأن الصورة المستنسخة منها لا تكفي، وشهادة الميلاد الأصلية، فترجوه أن يقبل النسخ لحين إحضار خلاصة القيد من العين، أما شهادة الميلاد فمنذ ولادتك وحتى الآن لا تعرف عنها شيئاً، ولم يطلبها منك أحد منذ تقديم الشهادة الإعدادية العامة.
تخرج من عند الموظف بعد أن ضيعت وقتك، ووقته الذي كالسيف، والذي من ذهب، وفجأة يرن هاتفك النقّال، فتجد أحدهم غلطان في الرقم، ولا تعرف بماذا تنصحه، ولا يعطيك مجالاً للتنفس حتى، تصل عملك فيخبرك زملاؤك الموظفون أن موظفاً من المحكمة يتصل بك منذ الصباح الباكر، ويريد أن يبلغك عن موعد الجلسة، وسيعاود الاتصال بك بعد ساعة ونصف ساعة، تظل تنتظر الساعة ونصف ساعة أن تمر، وتظل تقلب في رأسك عن الجرم الذي ارتكبته، تفكر فيمن يمكن أن يبليك أو يتبلى عليك، تطوف برأسك قصص الدنيا، حتى كان على الطرف الآخر شخص واثق من نفسه، يأمرك بالحضور إلى المحكمة يوم الأربعاء، تستفسر عن القضية المتهم بها، يرد عليك بموضوع لا تعرف عنه شيئاً، ويذكر الجهة المدعية، فيزداد خوفك، لأن المجهول والمبهم أكثر خوفاً، تتردد أن تسأله إنْ كان هناك من تشابه في الاسم، فيسمعك اسم المتهم، فتفرح كثيراً، وتتذكر اسم كل طوائفك في تلك اللحظة، فتعد له إلى سابع جد! فيعتذر لتشابه قليل في الاسم، لكن نفس رقم العمل، قلت سبحان الله! وقررت أن لا أخرج من المكتب حتى يحلّ الظلام، وكفاية من هذا اليوم العبثي.


