قليلة تلك المدن التي يفصلها البحر عن بلدها الذي تنتمي له واقعاً، لا تاريخاً، هي مدن تلتحف غربتها، حتى تحولت الغربة وطناً، مدن ما برحت تعكس ظلها في البحر، وتظل تنادي زرقته، فلا هي قادرة أن تعبر العدوة الأخرى، ولا هي فرحة بالعودة إلى المراعي الأولى، ولعل مدينتَيْ «سبتة ومليلية» أنموذج لتلك المدن الغارقة في زخرف الماء، كانتا من ضمن دروس التاريخ في الصفوف المدرسية، قضية «سبتة ومليلية» المحتلتين من الأراضي المغربية، بقي اسما المدينتين عالقين في الرأس، وأتذكرهما كلما حدث خطب أو تم تداول الاسمين في مجريات الأحداث، كما حدث قبل أسبوع مؤخراً، حتى في سنة من السنوات قررت أن أزورهما بداعي الفضول، ومحاولة تذكر دروس التاريخ الأولى، واكتشاف الغريب من المدن.
كانت أولى الخطوات نحو مدينة «سبتة» التي احتلتها البرتغال عام 1415م، قبل سقوط الأندلس، وضعف ملوك الطوائف من بني الأحمر، لتصبح منطلقاً للحروب الصليبية، بعد ما كانت ثغراً للفتوحات الإسلامية، ومن بعدها «مليلية» التي احتلتها إسبانيا بعد سقوط غرناطة بخمس سنوات، أي عام 1497م، وقد لعبت «سبتة» دوراً في احتلال إسبانيا للبرتغال لاحقاً، ومن ثم بسط سيطرتها على «سبتة» بالتنازل، مما اضطر البرتغال للتفاوض مع إسبانيا للاعتراف باستقلالها برعاية بريطانية مقابل أن تتنازل البرتغال عن «سبتة»، وذلك عام 1668م، بمقتضى معاهدة «لشبونة». وقد تم شن مائة حملة مغربية لطرد المستعمر منها، ولم تنجح كل تلك المحاولات، بسبب مناعة أسوارها وحصونها التي تطوقها، حيث حاصرها «المولى إسماعيل» أربعة وثلاثين عاماً كأطول حصار في التاريخ، وحاصر «المولى محمد بن عبدالله» مدينة «مليلية»، لكن لحصانة قلعتها الشامخة فوق تلك الربوة الشاهقة، تمنعت عليهم المدينة.
تبلغ مساحة «سبتة» 20 كيلو متراً مربعاً، وسكانها حوالي 77 ألف نسمة، في حين مساحة «مليلية» 12 كيلو متراً مربعاً، وسكانها 70 ألف نسمة، التواجد المغربي هو الأقل بسبب السياسات المتبعة، فهما في عرف الأمم المتحدة ليستا محتلتين.
ذات ذلك صيف قررت أن أدخل هاتين المدينتين عنوة، لأبدد الفضول والغموض، وعما كنت أسمع عنهما من بعيد، وأثناء النزاعات في الأخبار، كانت مغامرة دون أي إرهاصات أو تقصٍ، فالصورة المسبقة لهما غير واضحة، ولا أدري أي الطابع هو الغالب المغربي أم الإسباني، وأي اللغات السائدة، كان الدخول لهما عبر منافذ البر، وتدرون كم هي تعيسة تلك الحدود البرية في كل مكان، لا تشعر إلا بمدينة نائية، وكثير من الخرائب تستقبلك، وثمة تجارة رائجة هي التهريب لكل شيء، هناك بؤس واضح يرافقك حتى تدخل الحدود الإسبانية، ساعتها تشعر بانزياح شيء ثقيل كان جاثياً على الصدر، ولا تدري ما هو؟ هل هي الشكوك والريبة التي تلتصق بأي زائر غريب للمكان، وكأنه مُهرّب لا محالة، أم هي طبيعة، وسمة الحدود البرية لهذه المدن العربية؟ ونكمل غداً..


