تتميّز التجربة الإماراتية في تعاملها مع التنوع الثقافي والديني بأنها جعلت من القيم ممارسة وأسلوب حياة، ولم يعُد التسامح والتعايش مجرد مفردات جميلة تتردد في المناسبات، وإنما لغة يومية يفهمها الناس.
استضافة أئمة ووعاظ من جمهورية أوزبكستان الصديقة مؤخراً ضمن برنامج تدريب الأئمة والوعاظ الدوليين الذي تنظمه الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف والزكاة تجسيد لما تحمله التجربة.
أهمية هذا البرنامج لا تكمن في المحاضرات وورش العمل وحدها، على أهميتها، وإنما في الفكرة الأوسع التي يحملها: تبادل الخبرات الدينية والفكرية لبناء خطاب أكثر اعتدالاً وقدرة على ملامسة احتياجات المجتمعات المعاصرة. فالعالم اليوم يحتاج إلى خطاب ديني يفتح الأبواب ولا يغلقها، ويجمع ولا يفرق، ويحصّن العقول من التطرف من دون أن يفقد صلته بالقيم الإنسانية الكبرى.
البرنامج حرص على زيارة المشاركين مواقع تختصر جوانب من الشخصية الإماراتية، من مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي وجامع الشيخ زايد الكبير، إلى واحة الكرامة وقصر الوطن ومتحف اللوفر. إنها جولة تتجاوز التعريف بالمؤسسات والمعالم، لتقدم صورة متكاملة عن دولة جعلت التسامح جزءاً من بنيتها الوطنية، وعن مجتمع يعيش فيه أبناء جنسيات وثقافات متعددة في إطار من الاحترام والتقدير.
ومن هنا تبدو إشادة الوفد الأوزبكي بالنسيج الاجتماعي الإماراتي ذات دلالة خاصة. فالرسالة الأقوى التي يمكن أن تصل إلى العالم ليست دائماً في الخطب، وإنما في المشهد اليومي: أناس مختلفون في لغاتهم وثقافاتهم، لكنهم يتشاركون المكان والاحترام والفرص، ويصنعون معاً تجربة إنسانية واحدة.
البرنامج يأتي لتعزيز التعاون الديني ومدّ جسور التواصل وتبادل التجارب، بما يختصر جوهر المبادرة. فالجسور لا تُبنى من طرف واحد، والحوار الناجح لا يقوم على التلقين، وإنما على الاستماع والتعلم والتجربة المشتركة.
أثر التجربة لا يتوقف عند حدود المشاركين فيها، فالإمام والواعظ يحملان ما يتعلمانه إلى مجتمعهما، لتتحوّل الخبرة المتبادلة إلى أثر ممتد يتجاوز المكان والزمان، حيث تتسع مساحة الفهم المشترك، وتصبح مواجهة التطرف وبناء الوعي مسؤولية جماعية تتكامل فيها المؤسسات والعلماء والمجتمعات، بما يعكس المعنى الأعمق لمثل هذه المبادرات الإماراتية. 
نحن في عالم تتسع الحاجة فيه إلى خطاب ديني متزن، تصبح معه مثل هذه البرامج استثماراً في الإنسان قبل أن تكون تدريباً للمتخصصين. إنها رسالة إماراتية متجددة: أن الاعتدال قوة، والتسامح ثقافة، والحوار قادر على صنع جسور أبقى من الخلافات.