لم يكن ليونيل ميسي بحاجة إلى إثبات شيء جديد وهو يأتي إلى هذا المونديال. فبعد سنوات طويلة من الهيمنة، والألقاب، والجوائز الفردية والجماعية والأرقام القياسية، التي انحنت له ولاءً، بدا وكأن النجم الأرجنتيني قد أنجز كل ما يمكن أن يحلم به لاعب كرة قدم. لكن قائد «الألبيسيليستي» أثبت مرة أخرى أن الأساطير الحقيقية لا تتوقف عن كتابة التاريخ.
في مونديال 2026، ومن مباراتين فقط، كتب ميسي صفحة جديدة في سجله الاستثنائي، بعدما قاد الأرجنتين للفوز على الجزائر وكان هو صاحب الثلاثية ثم النمسا وهو مَن تكفل بالثنائية، واضعاً نفسه وحيداً على عرش هدافي كأس العالم عبر التاريخ برصيد 18 هدفاً، متجاوزاً الألماني ميروسلاف كلوزه.
في سن التاسعة والثلاثين، لا يزال «البرغوث» يرفض الانحناء لقوانين الزمن ولا يقبل إطلاقا أن يصاب عظمه بالوهن. فرغم إضاعته ركلة جزاء في بداية اللقاء أمام النمسا، عاد ليؤكد أن العظماء لا يقاسون بالأخطاء العابرة ولا يتأثرون بلحظة انتكاسة، بل بقدرتهم الدائمة على النهوض وصناعة الفارق. سجل الهدف الأول في توقيت حسّاس، ثم وضع بصمته الثانية في الأنفاس الأخيرة، ليمنح الأرجنتين بطاقة التأهل ويمنح نفسه رقماً جديداً في كتاب الخلود.
أكثر من مجرد أهداف، فقد أصبح ميسي جزءاً من ذاكرة كرة القدم العالمية. فمنذ ظهوره الأول في مونديال 2006، مروراً بخيبات النهائيات، وصولاً إلى التتويج التاريخي في نسخة قطر 2022، ظلَّ النجم الأرجنتيني حاضراً في قلب المشهد، شاهداً وصانعاً لأجمل لحظات اللعبة.
وإذا كانت السنوات قد انتزعت منه بعضاً من سرعته وانفجاره البدني خضوعاً لأحكام العمر، فإنها منحته شيئاً أكثر قيمة: الحكمة في تدبير فوارق الزمن، والقدرة على اختيار اللحظة المناسبة، والفعالية القاتلة أمام المرمى. لهذا لم يكن مستغرباً أن يقف الجميع للتصفيق له، من الجماهير الأرجنتينية إلى منافسيه وحتى المدربين والنجوم الذين أدركوا أنهم يعيشون اللحظات الأخيرة لأحد أعظم اللاعبين الذين أنجبتهم المستديرة.
خمسة أهداف في أول مباراتين من كأس العالم 2026، وثمانية عشر هدفاً في ست مشاركات مونديالية، وأكثر من عقدين من التألق المستمر.. أرقام تبدو أقرب إلى الخيال، لكنها بالنسبة إلى ميسي ليست سوى انعكاس لمسيرة لاعب تجاوز حدود الموهبة، ليصبح ظاهرة كروية خالدة.
ظاهرة اختصرها العبقري والفيلسوف بيب جوارديولا، الذي كان له ميسي كلمة السر في الوصفة السحرية، في عبارة جميلة:
«لا تكتبوا عنه، لا تحاولوا وصفه، فقط شاهدوه»، وتلك أبلغ شهادة على أن عبقرية ميسي أكبر من أن تختزلها الكلمات.
ومهما تكن النهاية التي ستؤول إليها رحلة الأرجنتين في هذا المونديال، فإن حقيقة واحدة باتت مؤكدة.. ليونيل ميسي لم يعد يطارد التاريخ، بل أصبح التاريخ نفسه يركض خلفه.


