سوف تعود حتماً إن ظلت هذه الروح المحبة للترحال والسفر، رغم أن الزمن يجري سريعاً ويسحب العمر معه وتتوزع الاهتمامات، وتتغير الكثير من الأحلام والأفكار.
تحضر مدن وتغيب ولا يبقى غير شذرات من لمحات راسخة، لا تعبر الذاكرة! وحده شاطئ «باتونج» ورماله وأشجاره، هذه الجزر الجميلة التي تحط على المياه اللؤلؤية الزرقاء، لمدينة «بوكيت»، هذه الدرة الجميلة، لذلك كانت محطة لعشاق الطبيعة والمطر، فريدة في كل شيء، جبال خضراء تحتلها الغابات، وتكوينات صخرية بديعة في بحارها وخلجانها.. لن يمر يومك دون أن تسعد بما ترسله السحب والغيوم من زخات سريعة. قبل أقل من عام كانت هذه الجميلة «بوكيت» محطتي، والأجمل، لقاء صديقي الفنان التايلاندي «جيرا باتش» صاحب المقهى والمعرض الدائم لمرسمه الحر، المشروع الخاص به، وعلى شاطئ «باتونج»، ومثل سائر الفنانين الحالمين بأن يصبح الفن التشكيلي هو الغاية والهدف، كان هذا الفنان يرعى الصغار من طلاب المدارس والجدد، التقيته في تلك الفترة المنصرمة، وظهر عمود في صحيفة الاتحاد ينوه بالفنانين أصحاب المشاريع الفنية، وقتها قلنا إنه هنا في الإمارات، كانت أيضاً تجارب ومحاولات بدأها ذلك الفنان الجميل الراحل حسن شريف في مرسمه الفني، وأيضاً كرر تجربته الفنان محمد كاظم في منزله الخاص بمنطقة القوز في إمارة دبي، زرتهما يوماً وكان مشروعاً رائعاً.
فرح صديقي الفنان «جيرا باتش» بجريدتنا الاتحاد لاهتمامها بالثقافة، وفتح المجال من خلالها للكتابة حول الثقافة والفن والمعرفة، مقهى صغير على الشاطئ، لا أحد الآن هنا، سوى امرأة، تحيط بها اللوحات الكثيرة، سألت عن صديقي الفنان، ابتسمت وأشارت بأن أنتظر، قالت: لقد شاهدتك قبل عام أو أشهر طويلة هنا!.. ومن خلف اللوحات ظهر صديقي «جيرا باتش»، كم كنت سعيداً وهو كذلك، قال: هذه زوجتي ورفيقة دربي في عالم الفن، ما زال مشروعي الفني ممتداً وأنا سعيد بذلك، مقهى صغير ومعرض صغير ورفيقة درب، والحلم أن يأتي المحبون للفن ويبدأ الزائر معنا الرحلة نحو الجمال والرقي، عزفت السماء بالمطر الغزير، وابتسمت أمواج شاطئ «باتونج» بالأمواج الهادئة، سبحان الله الذي أهدى هذه المدينة هذا الجمال المكتمل، لذلك يرحل زوار هذه المدينة، ثم تناديهم الذاكرة للعودة.


