تمتلك دولة الإمارات واحدة من أكثر شبكات الطرق والجسور تطوراً وأماناً في العالم، صُممت وفق أعلى المعايير العالمية، مدعومة بمنظومة تشريعية ورقابية وحملات توعوية متواصلة تقودها إدارات المرور والقيادات الشرطية في مختلف إمارات الدولة، انطلاقاً من رؤية تؤمن بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية، وأن الحفاظ على حياته مسؤولية وطنية لا تقبل التهاون.
ورغم كل هذه الجهود، ما زال بعض السائقين يصرّون على الاستهتار، متجاوزين قوانين المرور ومتطلبات السلامة، وكأن الحوادث لا تقع إلا للآخرين. والحقيقة المؤلمة أن الطريق لا يرحم، وأن لحظة غفلة أو قراراً خاطئاً قد يتحول إلى مأساة إنسانية في ثوانٍ.
الحادثان اللذان شهدتهما دبي خلال أقل من شهر يجسّدان هذه الحقيقة بأقسى صورها. ففي شارع الإمارات، أودى حادث مروّع بحياة سبعة أشخاص وأصاب تسعة آخرين بعد اصطدام حافلة صغيرة بشاحنة كانت متوقفة في أحد المسارات، إثر حادث سابق. وبعد أيام قليلة، شهد شارع جبل علي حادثاً آخر نتج عن توقف حافلة بسبب عطل فني، ليتحول المشهد إلى تصادم متسلسل بين مركبة وثلاث حافلات، أسفر عن إصابة 25 شخصاً بإصابات متفاوتة.
في كلتا الحالتين، كان القاسم المشترك الوقوف في وسط الطريق، والإهمال، وعدم الانتباه، وهي عوامل حذّرت منها القيادة العامة لشرطة دبي مراراً، مؤكدة أن الوقوف في مسار الحركة من أخطر المخالفات المرورية، ليس فقط لما يترتب عليه من غرامات ونقاط مرورية، بل لأنه قد يحوّل الطريق إلى مسرح لفاجعة جديدة. ولذلك جاءت رسائل شرطة المرور واضحة ومباشرة: تأكد من سلامة مركبتك قبل الانطلاق، وعند حدوث أي عطل فعّل إشارات التحذير، وضع المثّلث التحذيري متى أمكن، وغادر المركبة إلى مكان آمن، ثم اتصل بالشرطة لتتولى تأمين الموقع وحماية مستخدمي الطريق.
احترام قوانين المرور ليس خوفاً من مخالفة مالية، بل احترام للحياة. فالأنظمة وُضعت لحماية الجميع، ورجال المرور يبذلون جهوداً متواصلة على مدار الساعة، ولكن نجاح هذه المنظومة يبقى مرهوناً بوعي السائق والتزامه. فرجال المرور يؤدون واجبهم بكفاءة مشهودة، ودوريات الشرطة تصل إلى مواقع الحوادث في زمن قياسي، وحملات التوعية لا تتوقف، لكن يبقى العنصر الحاسم هو وعي السائق. فلا كاميرا تستطيع منع الاستهتار، ولا دورية يمكن أن ترافق كل مركبة، ولا قانون يسبق قراراً خاطئاً يتخذه قائد المركبة في لحظة غفلة، فالسلامة المرورية ليست مسؤولية الشرطة وحدها، وإنما مسؤولية مشتركة تبدأ من خلف مقود السيارة وتنتهي بعودة الجميع إلى منازلهم سالمين.