نعيش في زمن أصبحت فيه المنافسة على انتباه الجمهور أشد ضراوة من المنافسة على جودة المنتج نفسه الذي يجري الترويج له، لم تعد الفكرة التسويقية مجرد وسيلة للإعلان، بل غدت سلعة قائمة بذاتها. وكلما كانت الفكرة أكثر إثارة، كان نصيبها من الانتشار أكبر. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تكفي الإثارة وحدها لصناعة نجاح مستدام؟
قبل أيام، استثمر أحد المعلنين الزخم الذي يصاحب أكبر حدث رياضي عالمي، فأعلن عن رغبته في بيع سيارته الفارهة من أجل حضور نهائيات كأس العالم. فكرة بسيطة، لكنها ذكية، لامست شغف الجماهير، فحققت انتشاراً واسعاً، وانهالت عليه الاتصالات والعروض. هنا انتصر الذكاء التسويقي دون أن يخسر أحد، ودون أن تُمس الحقيقة أو تُخدش القيم.
وعلى الطرف الآخر، انتشرت رواية مثيرة عن سيدتين خليجيتين تركتا أطفالهما في لندن وسافرتا إلى باريس للحصول على حقيبة فاخرة من علامة تجارية عالمية. ولم يكتفِ مروجو القصة بإطلاقها، بل أضيفت إليها تفاصيل مختلقة، وتسابقت بعض المنصات الإعلامية إلى نشرها قبل التحقق من صحتها، ليتبين لاحقاً أن القصة برمتها لا أساس لها من الواقع، وأنها لم تكن سوى نموذج آخر لكيفية توظيف الشائعة في صناعة الضجيج، ولو كان الثمن الإساءة إلى مجتمع بأكمله.
المفارقة أن الواقعتين انطلقتا من فكرة تسويقية، لكن الفارق بينهما كان بحجم الفارق بين الإبداع والتضليل. الأولى احترمت عقل المتلقي، أما الثانية فراهنت على انفعاله. الأولى بنت رسالتها على الحقيقة، والثانية بنت انتشارها على الوهم.
ولعل أخطر ما في المشهد أن بعض المنصات ووسائل الإعلام، وهي المؤتمنة على الحقيقة، وقعت في فخ السباق المحموم نحو «الترند»، فبات النشر يسبق التحقق، وأصبحت سرعة الوصول إلى الجمهور تتقدم على دقة المعلومة. وهنا تتضاعف المسؤولية، لأن تصحيح الخبر لا يمحو دائماً أثره الأول، ولا يعيد الاعتبار كاملاً لمن مستهم الشائعة.
التسويق اليوم شريك في تشكيل الوعي، وليس مجرد أداة لزيادة المبيعات. ومن يملك القدرة على التأثير، يملك في الوقت نفسه مسؤولية أخلاقية لا يجوز التفريط فيها. فالثقة لا تُبنى بحملة إعلانية ناجحة، وإنما تُبنى بتراكم الصدق والشفافية والاحترام.
ستظل الأفكار المبتكرة مطلوبة، بل هي روح التسويق الحديثة، لكن الأفكار العظيمة هي تلك التي تنجح دون أن تتاجر بالحقيقة، وتنتشر دون أن تصنع ضحية، وتربح السوق دون أن تخسر الضمير.
ونحمد الله أننا في الإمارات ورغم الازدهار الاقتصادي والنجاح التجاري حافظت أسواقنا على الالتزام بقيم المجتمع الإماراتي.


