تخيلنا بالأمس ونحن نشاهد الأدوار النهائية لكأس العالم كما اعتدنا أن نشاهدها طوال سنوات تعدت الأربعين عاماً سوياً، ويزيد مما لا نعد ويعدّون، لم ينقص منا إلا من لم يكن حاضراً البلد وقتها وحينها، ونحمد الله أن يجنبنا الفراق، ولا يغير علينا حالاً، ويديم علينا صحة الأبدان، وكمال العقول، ونفع الذاكرة التي نراهن عليها، لكننا حاولنا أن نتخيل، جلسنا في افتتاح بطولة كأس العالم بعد سنوات طويلة إن شاء الله، وقد أدركتنا الشيخوخة وقليل من أوجاعها ومظاهرها، وبدأنا نتذكر مسترجعين تلك البطولات التي عاصرناها، وشهدنا تحولاتها وأحداثها، وجماليات فنون لاعبيها وأساطير نجومها، وقلنا: الله لا يغير حالنا، ويديم علينا أحوالنا.
لكن واحداً ممن ينغصون أحياناً، وينزعون المتعة، ويتسلط علينا، ويذكّرنا بما لا نحب أن نتذكّره: ماذا لو هاجمتنا الشيخوخة مبكراً، ولم تمهلنا لأن نشاهد البطولات المقبلة بالعافية نفسها والحماسة عينها؟ تخيلوا وضعنا كمسنين نتواكب إلى دار أحدنا، وقد ظل بمحبته وطيب مودته يجمعنا:
-  ستكون الشاشة الجديدة الكريستالية للتلفزيون ما فوق الذكي صعبة الرؤية، والشاشة المائية تزغلل عيون المشاهدين الذين كبروا في عمرهم الافتراضي، والذين لحقوا على عرشة التلفزيون على السطح، حينما كان يديرها بيديه لالتقاط صورة صافية وإرسال أوضح؛ منهم الذي يشتكي من المياه البيضاء أو الزرقاء، والذي بدأ يزيد عنده العشو الليلي، وذاك الذي ما زال يصر على عدم ارتداء نظارة تصحيح النظر، رغم الجهد الواضح الذي يبذله في الرؤية، وهو يرصّ عينيه، ولا تظهر له الأمور إلا مغبشة أو كأنها آتية من بعيد كالسراب، فيفرح بمرآها، ويصدم برؤيتها.
- كل واحد منا يأتي لمشاهدة المباريات ومعه الممرضة التي تعرف أوقات أدويته وما ينفعه من الأكل، ومتى تكون حاجته للتحرك والحركة، ولا يعني لها نزاعه وصراخه في شيء، وكأنها أمه الافتراضية، والتي يسمح لها وحدها بأن تعلو بصوتها عليه، لأنه عادة ما يتصرف تجاه أوامرها كصبي أرعن، ولا يستسلم إلا حينما تقود كرسيه في تلك الظلمة وهو ينازع أحلامه المتقطعة.
- اختلفت طلبات «عشيات» الآن عن طلبات «عشيات» الأول، وأصبحت اليوم؛ شوربة دافئة، وخضراوات مضروبة في الخلاط، ووجبات مستشفيات منزوعة الدسم، وخالية من «الغلوتين»، وكله شغل «شوفان وأفوكادو وبروكلي أورغانك»، راحت الذبائح التي تأتي من تنور العين، واللحم الأرجنتيني، ولحم الـ«فاغيو»، صار عيش «شيلاني» مع روب وخيار، وقطع فواكه، وماء غازياً ينصح به الطبيب المعالج.
- أصبح كل واحد منا معه نظارتان؛ واحدة للبعيد، وأخرى للقريب، والبعض مركب سماعات أذن لزوم عدم الإحراج، وكثرة السؤال، وعدم معرفة الحوار، وكثرة ترديده: نعمممممم.. شووووو.. منوووووو.. انزين، وبعدين؟! وهو في الواقع ما سمع شيئاً، ولا عرف يشكل موضوعاً متكاملاً من الحوار الدائر، وعادة ما تكون ردة فعله متأخرة كثيراً، على الحديث يأتيه على الأذن «الصلياء».
- نظل نتذكر لاعبي كأس العالم السابقين الذين تقاعدوا وأصبحوا معلقين لا يفقهون في قوانين اللعبة الجديدة، وكل توقعاتهم يصادفها الغلط، والنتائج العكسية، وهم يظهرون ببدل رمادية استفادوا منها من مشاركاتهم الكروية الدولية السابقة في قديم عهدهم، وأصبحت اليوم عليهم ضيقة بعض الشيء أو أكتافها متهدلة على بعضهم.
- معظمنا لا يشاهد المباراة بأكملها، ذاك منا الذي يغلبه النعاس نتيجة الأدوية والمهدئات، والذي يجعله الحديث التلفزيوني يغط في نوم عميق، والذي لا يبالي بالذي يحدث، ويجلب له الملل بسرعة، وكان اعتماده الأساسي على سماع تحليلات رفاق بهو الفندق صباحاً مع فنجان القهوة الوحيد المسموح له، أما ذلك المتحمس واليقظ في الساعات الأولى، والذي يعتمد على النوم المتقطع في يومه، فكان يكتفي بمشاهدة المباريات بنظام الحلقات المتقطعة، لكي يكوّن رأياً فنياً صحيحاً ومتوازناً ودقيقاً عن مجريات مباريات كأس العالم، فهو أكثرنا خبثاً، ومحط غيرة من الجميع على كل هذا الثبات والذاكرة الصلبة والتحليل العميق الذي يذكرنا بتحليلات الخبير «الدوسري» في زمانه.. وغداً نكمل