يا لنعمة التوحّد بالنفس في العزلة! ها أنت وحدك. ليس حولك إلاّك. ليس معك غير نفسك تستريح إليك. غير روحك تستأنس بك. في التوحد بالنفس، تتفتح الحواس كلها: البصر والبصيرة. يتحد المرئي باللامرئي في اللحظة ذاتها. السمع والإنصات. أي نأمة في الخفاء توقظ الأصابع من بلادة المألوف، تصير عيناً ترى، وأُذناً تسمع، ودماً يتدفق. حاسة الشّم تسري حتى مروج الحلم. يأتيك الوجود كله. الكائنات والكون. هسهسة العشب، وطقطقة الغصون إذ تنحني للمهب. دقات الزمن تسير برتابة الأيام وسرعة النهايات. صدى بكاء طفل منسي في البعيد يوقظ الحزن. لغط الأقاويل يتلاشى بطيئاً. والبحر البعيد في شجوه الأبدي. وجوه اتّشحت بالنسيان وأوغلت في الغياب، تنهض من لجّة الذاكرة. مدن، محطات، طرقات، وزوايا. تسيرين متئدة وحدكِ، ووحدكِ وددتِ لو تهت، لو أضعت الطريق إلى البيت، الذي تسوقكِ خُطى غامضة إليه، فتتوقين إلى الضياع كطفلة تاهت في الزحام والضجيج، فانفلتت شاردة في طرقات تجهل خطواتها، وضلّت السبيل إلى الذراعين.
آهِ كم كبرتِ على الضياع حين أهديت إليكِ. يا لفيض الوحدة وترف الأنس بالنفس. لكأن وقع خطاك على الأرض نهنهة البراعم إذ تنهض حين الخصب. لكأنها اختيال الغيم يسبح متئداً في الفضاء. لكأنها الخرير الخفي في الينابيع. أي ماس يبرق في العزلة؟! أي نهوض يتأهب، وخيال يشبُّ؟! أية سعة تمتد أمام البصيرة نحو المطلق واللانهائي، أي ميزان رهيف يزن البشر بالعدل: كل البشر واحد، وكل واحد هو البشر كلهم! للكائنات نشيد عزلتها في تجلِّي الوجود. للماء في الأنهار، للأحياء في عمق المحيطات، للشجر في الفصول، للبحر في رجعة الأمواج. للفضاء في تعاقب الليل والنهار. للجبال في القمم، للطيور في الهجرات، وللإنسان في نشوة الحب.
حين تسكنين وحدك. المكان يكون أجمل، الضوء أبهى، والظلال ندى. الأشياء صديقة، الأبواب رحمة والنوافذ أجنحة. وأنت أنتِ لا غيرك. لا أحد يأخذك منك. لا نجيّ لك سواك. لا رفقة سوى خفق القلب وبهاء الروح.
هل تستشعرين الوحشة وأنت وحدك؟ إذن أنت مسكونة بغيرك. وإذا غاب غبتِ، وإذ لم يحادثك صمت. وإذ لم ينادِك صممت! فهل تخافين التوحد بنفسك يا ابنة حين خرجت للدنيا خرجتِ وحدك. ولأنك ولدت وحدك وتموتين وحدك، تخشين التوحد في الطريق بين المسارين.


