تحلُّ اليوم الذكرى الخامسة والخمسون لتأسيس صندوق أبوظبي للتنمية، ونستعيد معها صفحة مضيئة من فكر الوالد المؤسِّس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، الذي أدرك مبكراً أن الثروة لا تكتمل قيمتها إلا عندما تتحول إلى مدارس تُفتح، ومستشفيات تُشيَّد، وطرق تربط المجتمعات، ومياه تصل إلى من حُرموا منها، وفرص تمنح الإنسان حياة أكثر كرامة.
قبل قيام الاتحاد بأشهر، وتحديداً في الخامس عشر من يوليو عام 1971، وُلد صندوق أبوظبي للتنمية ليجسّد هذه الرؤية. كان قراراً سابقاً لعصره، ورسالة واضحة بأن الإمارات، وهي تخطو خطواتها الأولى، اختارت أن تكون شريكاً في صناعة المستقبل، لا متفرجاً على تحدياته.
خمسة وخمسون عاماً مضت، كبرت خلالها الفكرة، واتسع أثرها حتى وصل إلى 108 دول حول العالم، باستثمارات وتمويلات تنموية تجاوزت 249 مليار درهم. لكن القيمة الحقيقية لهذه الأرقام لا تكمن في حجمها، بل في ملايين البشر الذين تغيّرت حياتهم بفضل مشروع للطاقة، أو مدرسة، أو مستشفى، أو طريق، أو شبكة مياه أعادت للحياة نبضها.
وأجمل ما في مسيرة صندوق أبوظبي للتنمية أنه لم يخرج يوماً عن الفكرة التي انطلق منها. فما زرعه الشيخ زايد قبل خمسة وخمسين عاماً ما زال يُثمر في قارات العالم المختلفة، ويؤكد أن الخير عندما يصبح نهجاً للدولة، يتحول إلى قوة احترام، وإلى إرث إنساني تتوارثه الأجيال، وتبقى آثاره شاهدة على أن التنمية ليست مشروعاً اقتصادياً فحسب، بل رسالة حضارية تحمل اسم الإمارات إلى العالم.
مسيرة الصندوق لم تتوقف عند الإنجازات التقليدية، بل اتجهت نحو المستقبل بثقة. فمن منصة أبوظبي العالمية للمياه، التي تستهدف تعزيز الأمن المائي العالمي، إلى توظيف تقنيات الفضاء عبر إطلاق أول منظومة تعتمد قمراً صناعياً لمتابعة المشاريع التنموية، يقدم الصندوق نموذجاً إماراتياً يجمع بين الابتكار والاستدامة، ويؤكد أن التنمية الحديثة لا تنفصل عن التكنولوجيا والمعرفة.
كما تعكس استراتيجية الصندوق 2030 فهماً عميقاً للتحولات العالمية، من خلال التركيز على تعظيم الأثر التنموي، وتعزيز الشراكات الدولية، ودعم الاقتصاد الوطني، وفتح آفاق جديدة أمام الصادرات الإماراتية، بما يرسِّخ مكانة الدولة شريكاً موثوقاً في تحقيق التنمية المستدامة.
بعد خمسة وخمسين عاماً، يبقى صندوق أبوظبي للتنمية شاهداً على أن إرث الشيخ زايد لم يكن مشروعاً محلياً محدوداً، بل رسالة إنسانية عالمية ما زالت تنبض بالعطاء. إنها قصة وطن آمن بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان، وأن الخير حين يُبنى على رؤية وحكمة، يتحول إلى إرثٍ لا تحدّه الجغرافيا ولا الزمن. حفظ الله الإمارات وأدام عزّها في ظل بوخالد.


