للصيف رائحة، تحملها عناقيد الرطب، وتبثها عبقاً، باسم النخلة التي احتلت مكاناً شاسعاً في وجدان عشاق الطيب، وبخور الأشرطة الخضراء، في عموم المكان الإماراتي الأسطوري في تعلقه بلون الحبة الصفراء، وتعادلها تلك الحمراء قانية، زاهية، مزدهرة بصورة تشبه الحلم في عيون الطفولة، تشبه الحياة وهي تهفهف عند رموش كأنها أهداب الحرير، تغطي المقل، وتحوك معاطف البهجة والوجاهة. للصيف رائحة تنثرها نخلة بين وجدان، وأشجان، وقصص مرّت هنا من ناصية الذاكرة، حيث كان الصيف يرتب مشاعر الناس على نغمات وشدو يملأ المدى، يثري عروق الوالهين لماء بارد، ترشه جداول الصيف من نبع طبيعة تزيّنت بحلي العشب القشيب، عند النحور رسمت القلائد مراسيم حياة، وسدة حكم الفطرة.
اليوم نتأمل الصورة، في الصورة تكتمل الحكاية بأن في هذا المكان من العالم جلست النخلة، ورفرف الطير نشواناً، قالت له أيضاً المضغة في قلب الوجود: اهبط بسلام على الوجود، واهبط، ثم اهبط، ثم غن، وغن، فالوجود أغنية والحياة قيثارة لحن الأبدية، فتعال نرقص، تعال نحلم، ففي الصحراء يكبر الحلم، وتكبر مقلة الوجود، تكبر حماية في ضمير العشاق، والعشاق كثر، العشاق والنخلة في حالة إشراقة صباحية عند كل بزوغ، وعند كل غروب والطير يرفع النشيد، الطير يغني للحياة، للحب ومزارع يخلب اللب وهو يشمر عن ساعد، ويفتح للمدى جدول العطاء، مزارع من تلك الضاحية عند منعطف طيني، يغذي روحه ببلل الصيف، ويمضي في الدنى هياباً، تستجيب له نخلة العمر، وترخي عناقيد، تسدل على جبينه عقوداً من زمن الغرف، والمشاعر، بعطر يسري بين الضلوع كأنه النسيم يغدق القلب نبضاً وحضاً، وعين الله تحفظ العاشقين، عين الله تحمي من اللظى، ولا لظى تحت جنح نخلة رضية أعطت ما يهيب، ويستجيب، وعفة الأشياء، حين تكون الأشياء برائحة الصيف، عالم النخل يرفرف بأجنحة النسور، يحدّق في الوجوه كأنه يطالع النجم، وكأنه يبري قلم التاريخ ويسجل، ماذا نحتت الأيدي، وماذا رسمت الرموش على لوحة الدهشة، والقلوب دفاتر، القلوب مساطر، القلوب ممحاة الصبر، وصمت الأحلام وهي تنصت لما يبديه إنسان على أرض البسيطة، وما يشحذها من سكاكين العزيمة لكي يأكل صغار. هذه قصة الصيف ترويها نخلة، وها نحن ما زلنا نحلم بقامة النخلة وجذعها وفرعها، وطير حلق فوق قمة التألق حتى انسابت النواصي تهتف حياك يا صيف الطيبين.


