وسط التحديات والتصعيد الذي تشهده المنطقة، تواصل الإمارات انطلاقتها الواثقة نحو المستقبل، عبر مشاريع نوعية عملاقة تؤكد أن التنمية لديها ليست رهينة الظروف، بل خيار استراتيجي طويل المدى.
تناولنا في هذه الزاوية عدداً من تلك المشاريع، ونتوقف اليوم أمام مشروع جديد يمثّل إضافة نوعية للبنية التحتية، ويعزّز كفاءة سلاسل الإمداد، ويرسّخ في الوقت ذاته مكانة الدولة محوراً رئيساً في حركة التجارة العالمية، بما يواكب رؤيتها وطموحاتها للعقود المقبلة.
فالاتفاقية التي شهدها سمو الشيخ محمد بن حمد بن محمد الشرقي، ولي عهد الفجيرة، بين هيئة موانئ الفجيرة ومجموعة موانئ دبي العالمية لإنشاء ميناءي الرغيلات ودبا، تتجاوز مفهوم إنشاء مرافق بحرية جديدة، إلى بناء ركيزة إضافية في منظومة اقتصادية متكاملة جعلت من الإمارات إحدى أهم عقد التجارة والخدمات اللوجستية في العالم.
المشروع يعكس نهجاً إماراتياً ثابتاً يقوم على استباق المتغيرات، لا انتظارها. فبينما تتعامل دول كثيرة مع اضطرابات التجارة العالمية باعتبارها تحدياً، تنظر إليها الإمارات كفرصة لتعزيز الجاهزية، وتوسيع الطاقة الاستيعابية، ورفع كفاءة الموانئ، وتنويع الخيارات أمام حركة التجارة الدولية.
وتزداد أهمية المشروع بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي لإمارة الفجيرة على بحر العرب، بما يوفّر وصولاً مباشراً إلى أهم خطوط الملاحة العالمية، ويمنح الدولة منفذاً بحرياً أكثر مرونة وكفاءة. كما أن ربط الميناءين الجديدين بميناء جبل علي والمنطقة الحرة في جبل علي يكّرس نموذجاً إماراتياً فريداً يقوم على التكامل بين الموانئ والمناطق اللوجستية، بما يختصر الوقت، ويخفض الكُلفة، ويزيد تنافسية الاقتصاد الوطني.
ما يميّز التجربة الإماراتية أنها لا تبني مجرد موانئ وإنما منظومات اقتصادية متكاملة. فكل ميناء جديد يفتح آفاقاً جديدة للاستثمار، ويستقطب صناعات وخدمات مساندة، ويوفّر فرص عمل، ويولد قيمة مضافة تمتد آثارها إلى مختلف القطاعات الاقتصادية.
وعندما ترتفع الطاقة الاستيعابية لموانئ الدولة إلى نحو 22 مليون حاوية نمطية سنوياً، فإن الرقم يتجاوز زيادة القدرة التشغيلية، باتجاه اتساع الدور الإماراتي في حركة التجارة العالمية، والثقة الدولية المتنامية بكفاءة بنيتها التحتية، واستقرار بيئتها الاستثمارية، وقدرتها على مواكبة التحولات المتسارعة في الاقتصاد العالمي.
هكذا تمضي الإمارات، لتضيف إلى مكتسباتها باستمرار ما يؤكد أنها ليست مجرد محطة على طرق التجارة العالمية وإنما أحد أهم المحاور التي تعيد رسم هذه الطرق وصناعة مستقبلها.
التجارة العالمية لا تبحث فقط عن الموانئ، بل عن الثقة والكفاءة والاستقرار. ثلاثية نجحت الإمارات في ترسيخها، حتى أصبحت محطاتها البحرية أكثر من مرافق للنقل، إنها محطات لعبور الفرص، ومنصات لصناعة المستقبل. حفظ الله الإمارات وأدام عزها في ظل بو خالد.


